المانيا أو: كيف تتعلّم أن تنتظر

اسفل الخبر

البيروقراطية السوداء وأشياء أخرى

كيف تتعلّم أن تنتظر في ألمانيا، كل شيء يعمل. القطار يصل في الثانية المحددة. المصعد لا يعطل. الأرصفة مستقيمة كأنها آيات منزّلة. وأنا، القادم من بلاد تتعطّل فيها الأحلام قبل أن تبدأ، أجلس على كرسي البلاستيك في مكتب (Ausländerbehörde) مكتب الأجانب وأنتظر. أنتظر كما انتظر أبي على باب المخفر.

أنتظر كما انتظرت أمي دواءً لم يأتِ. فقط هنا الانتظار منظّم، مرقّم، ومكيّف الهواء. رقم ٢٤٧.

الشاشة تقول: ٢١٩. في الخارج، الثلج يسقط بهدوء فاحش، كأنه يعتذر عن كل شيء.

البيروقراطية السوداء

قالوا لي: ألمانيا بلد القانون وهذا صحيح. لديهم قانون لكل شيء. قانون لفرز الزبالة — زجاج هنا، بلاستيك هناك، ورق في الأصفر، روحك في الكيس الأسود. قانون لمواعيد الغسيل في العمارة. قانون صامت يقول: لا تضحك بصوت عالٍ في القطار. وأنا الذي ضحكت دائماً لأنني لو لم أضحك لبكيت، صرت أضغط شفتيّ في القطار وأنظر من النافذة إلى أشجار عارية تشبه الشعراء في زمن الرقابة. في بلادي، البيروقراطية وحش يصرخ. يضرب الطاولة، يطلب الرشوة، يفقد الأوراق عمداً، ينظر إليك كأنك جئت تسرق لا تطلب حقك. في ألمانيا، البيروقراطية وحش صامت. يرتدي بدلة رمادية، يضع النظارة على أنفه، يقرأ ملفك بعيون فارغة كأنه يقرأ قائمة بقالة،”هذا النموذج منتهي الصلاحية منذ ٢٠١٩.”

الورقة الأولى تطلب الورقة الثانية. والورقة الثانية تطلب الورقة الثالثة. الورقة الثالثة موجودة فقط في مكتب آخر. المكتب الآخر مفتوح الثلاثاء فقط. الثلاثاء القادم موعده ممتلئ حتى مارس. مارس فيه عطلة رسمية. وأنت تقف في المنتصف بين عطلة لا تخصّك وموعد لن يأتي وحلم صار ورقة والورقة صارت ختماً والختم صار… لا شيء.

قالوا لي: احجز موعداً أونلاين. فتحت الموقع. الموقع يقول: لا مواعيد متاحة.

قلت: متى ستتوفر؟ الموقع لا يجيب. الموقع فقط يحدّق فيّ بصفحة بيضاء فارغة كأنها تقول: “هذا كل ما عندنا لك.”

أرسلت إيميلاً. جاءني ردّ بعد أسبوعين: “شكراً لتواصلك. يُرجى التواصل عبر البوابة الإلكترونية.” عدت إلى البوابة الإلكترونية. البوابة تقول: أرسل إيميلاً.

في بلاد العرب، البيروقراطية تكذب بوقاحة. “تعال بكرة.” “الملف عند المدير.” “المدير في اجتماع منذ ١٩٨٧.”

في ألمانيا، البيروقراطية تكذب بدقة متناهية. تعطيك رقم مرجعي. تعطيك تأكيداً خطياً.

تعطيك وصلاً رسمياً يثبت أنك موجود في النظام ، لكن النظام لا يفعل شيئاً بوجودك. الفرق أن الكذب العربي يتعب منك ويمل. الكذب الألماني لا يتعب أبداً. آلة لا تنام ولا تكذب ولا تصدق. فقط تعالج. تعالج. تعالج. وأنت لا تُعالَج.

طلبوا مني:

  • شهادة الميلاد مترجمة معتمدة.
  • ترجمة الترجمة موثقة من كاتب العدل.
  • توثيق كاتب العدل معتمد من السفارة.
  • السفارة طلبت موعداً.
  • الموعد بعد أربعة أشهر.
  • بعد أربعة أشهر الملف الأصلي انتهت صلاحيته.
  • يجب إعادة البداية.

وأنا جالس أنظر إلى كومة الأوراق أفكر:

لو كان كافكا عربياً لما كتب رواية لكان جلس يبكي على كوب شاي وقال: “هذا طبيعي يا عمّي.”

الموظفة اسمها فراو شولتس. شعرها رمادي كالسماء في نوفمبر. نظرتها محايدة كالسلام المسلح.

قالت بالألمانية الواضحة البطيئة التي يتكلمها الناس مع الأطفال والأجانب:

“أنت تحتاج Aufenthaltstitel لتفتح حساباً بنكياً. وتحتاج حساباً بنكياً لتستأجر شقة. وتحتاج شقة لتحصل على Aufenthaltstitel.” نظرت إليها. نظرت إليّ. لم تبتسم. لم تعتذر. لأن هذا ليس خطأها. هذا النظام. والنظام لا يعتذر.

البيروقراطية السوداء ليست شريرة. هذا ما يجعلها سوداء حقاً. الشر يمكنك أن تكرهه.

يمكنك أن تشتمه في الليل وتشعر بشيء. لكن آلة لا تكره ولا تحب تطحنك بابتسامة محايدة

وترمي لك وصلاً رسمياً على الأرض هذا لا يمكنك كراهيته. فقط تجلس. تأخذ الرقم وتنتظر.

الجبن وخمسة وعشرون وجهاً للحنين

ألمانيا جميلة. هذا ليس مديحاً، هذا اعتراف مؤلم. البحيرات زرقاء كما ينبغي للبحيرات أن تكون. الغابات خضراء ومرتّبة كأن عمّالاً نظّفوها الفجر. البيوت دافئة والنوافذ مضاءة مساءً وخلف كل نافذة عائلة تأكل العشاء معاً بينما أنا أمشي في الخارج بمعطف اشتريته من السوق المستعملة وجيوبي مليئة بأوراق رسمية لا أفهمها. الإنسان حين يرى السعادة من الخارج يصير أكثر وحدةً مما لو لم يرها أبداً. في سوبرماركت الحيّ،

يبيعون خمسة وعشرين نوعاً من الجبن. خمسة وعشرين. وأنا أقف أمام الرفّ عشر دقائق لا لأنني لا أعرف أيّها أختار،

بل لأنني أفكّر في أمي التي كانت تقطع الجبن الأبيض الوحيد المتوفّر وتضعه على الخبز اليابس وتقول: “الله يعطيك العافية.” خمسة وعشرون نوعاً من الجبن وأنا لا أريد إلا ذلك الجبن الأبيض وتلك الجملة.

اللغة أو: العقاب على الفهم المبكر

تعلّمت الألمانية أو حاولت. لغة تضع الفعل في آخر الجملة، كأنها تعاقبك على الفهم المبكر، كأنها تقول: اصبر، اصبر، اصبر وفي النهاية ستعرف ماذا حدث. ربما هذا هو الفرق بيننا وبينهم: هم يصبرون لأن الفعل سيأتي في النهاية. نحن نصبر لأننا لم نعد نؤمن بأن الفعل سيأتي أصلاً.

الوحدة المعقّمة

الألمان أناس طيبون. هذا ليس كلاماً فارغاً. طيبون بطريقة مدروسة، مدنية، محترمة. يفتحون لك الباب.

يبتسمون في المناسبات المحددة. يسألونك “كيف حالك؟” ولا ينتظرون الإجابة الحقيقية

وهذا أيضاً موجود عندنا، لكن عندنا على الأقل يجلسون معك بعدها ويشربون القهوة. الوحدة في ألمانيا وحدة معقّمة.

نظيفة، هادئة، لا رائحة لها. لا أحد يصرخ في وجهك لكن لا أحد يعانقك بغير موعد.

رقم ٢٤٧

بعد ثمانية أشهر من الأوراق والمواعيد والانتظار في برد يقطع العظم،

حصلت على إقامة لمدة سنة. سنة واحدة. ثم تبدأ من جديد. وقفت في الشارع أمسك الورقة الرسمية باليدين الورقة التي تقول إن لي حق الوجود هنا وضحكت. ضحكت كما يضحك الحزن. لأن الورقة التي تثبت أنك إنسان هي أيضاً الورقة التي تذكّرك أنك بدونها لستَ شيئاً.

في آخر الليل، حين تصمت برلين على غير عادتها، أفتح النافذة وأنظر إلى الشارع المضاء جيداً ، لمبات لا تنطفئ، أرصفة لا تتشقق، سيارات تقف خلف الخط الأصفر حتى حين لا يوجد أحد. وأفكر: ماذا يفعل الإنسان حين يحصل على كل شيء أراده إلا الشيء الذي لا يعرف اسمه؟ الحرية موجودة هنا. والأمان موجود. والمستقبل موجود، مكتوباً في جداول واضحة. لكن ذلك الشيء — ذلك الدفء الفوضوي، تلك الضوضاء المحبّة، رائحة الهيل في القهوة الصباحية، صوت الجيران الذي يزعجك ويطمئنك في آن — ذلك الشيء ليس هنا. وأنا لا أعرف إن كنت آتيت إلى ألمانيا هرباً منه أم بحثاً عن ما يعوّضه.

ربما الوطن ليس مكاناً. ربما الوطن هو تلك اللحظة حين ينادي أحدهم اسمك لا رقمك. رقم ٢٤٧ — لم يُنادَ بعد.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد