قضية إسلامية مقلقة…تاريخ سبي النساء

فيما مضى جلست مع أصدقائي في مدينة كتبس الألمانية وهم مذهولين مما يحصل باسم ديننا من سبي وقتل واستعباد وتعذيب. من قبل جماعات تدعي أنها تمثل الإسلام. وجدت أن بعض أصدقائي يشككون في مسلماتهم متسائلين هل قرآننا يقر بالسبي والقتل والجواري وملكة اليمين؟ 

هل ديننا الإسلامي متوحش أم متحضر؟ هل قرآننا قاتم أم منور بأنواره؟ ومن يتصدر ديننا ويتحدث بإسمه ويخطفه بعيدا عن فطرة السلام؟

تشخيص الحالة

الذي يبدو لي أننا نشهد صعود فهم خاطئ أجاد استخدام لغة “قال الله وقال رسوله ص” لتحقيق رغبات نفسية دفينة سابقة على النص متأثرة بشهوتهم للقتل والسبي واستعباد وامتلاك الجواري من النساء. 

لا أخفيكم إني وصلت إلى قناعة أن كثير من أشرار البشر عندما تَدَيّن دَيّن معه شرّه وكساه برداء شرعي ليواصل ممارسة شروره تحت غطاء ديني يؤزه في غيه وطغيانه وبغيه أزا وبئس ما يفعلون. 

هل القرآن هو المقدس أم شرحه هو المقدس؟

عودة إلى صلب الموضوع علينا أولا التمييز بين النص القرآني وشرح الإنسان لهذا النص. في تقديري الخاص أن النص القرآني الكريم يفقد الكثير إذا تحول إلى شروح تنتجه أفهام بشرية لم تراعي الكليات والمقاصد القرآنية. بلا شك إن الأفهام تتراوح فتتراوح معها الشروح. كما أن غالبية من المتلقين لهذه الشروحات “يماهون/يدمجون” بين الشرح والقران.

فتتحول هذه الشروح البشرية في أَظانينُهم الى أراء غير قابلة للنقاش.

أكثر ما يزعجني هو اشتهار هذه الشروح المتطرفة في فهم نصوص الإسلام المقدسة في زماننا إلى درجة إنه عندما قابلت الأسبوع الماضي بروفسور مادة الإسلاميات في إحدى الجامعات الألمانية قال لي: إن القرآن يزود التطرف بآيات تسعف مبتغاهم كما أنه يسعف من يبتغي السلام والتعايش والأمان بذلك. 

في فهمي لا يوجد أي آيات قرآنية تزود التطرف لذلك دعنا ندحض فكرة السبي وفكرة ملكة اليمين بتبيان أنهما ليسا من القرآن بشيء؟

القرآن لا يشرع للسبي

سورة محمد” الكريمة تضع حكم التعامل مع الأسير في إطار إختارين لا ثالث لهما. وهما يتأرجحان بين (فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً) أي إطلاق سراح الأسير بدون مقابل (مَنًّا) أو بمقابل (فِدَاءً) فقط ولا يوجد أختيار السبي في القرآن.

 فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّىٰ إِذَا أَثْخَنتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ “فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً” حَتَّىٰ تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا ۚ ذَٰلِكَ وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَانتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَٰكِن لِّيَبْلُوَ بَعْضَكُم بِبَعْضٍ ۗ وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَن يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ (٤) سورة محمد

أولا فإن سورة محمد المباركة تتحدث عن وضع معركة وليس وضع مدني مستقر. ولا يمكن أسر أحد خارج إطار المعارك. لا يمكن أسر المدنين في وضع مدني مستقر.

كما كان حين تنزيل الآية الكريمة ظروف صعبة وجد النبي محمد ص ورفاقه أنفسهم في معركة غير متكافئة حيث يتفوق الخصم فيها عدديا نتيجة اتحاد عدة تحالفات قبلية اتفقت فيما بينها على القضاء على محمد (ص) ورفاقه. 

في هذا السياق التاريخي نجد هذه الآية تحفز الهمم لمحمد( ص ) ورفاقه وترفع المعنويات ليواجهوا الأعداء في ساحة المعركة بهمة وفزعة ومثابرة. ومن ثم في حالة ما حصل أن أسر الرسول محمد (ص) ورفاقه أسرى حرب من رجال الخصم المحاربين فماذا يفعل بهم؟ 

يقول الله تعالي في قضية الأسر “فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً” أي يا محمد (ص) إذا ما أسرت أحدا منهم فأنت فقط مقيد بخياريين لا ثالث لهما 

الأول أن تمن على الأسير بإطلاق سراحه بلا مقابل

الثاني أن تطلب من دولته/قبيلته/حلفه من أن يدفع مقابل إطلاق سراحه.

لا حظوا حفظكم الله تعالى إننا نتحدث عن معركة حامية الوطيس ولم يسمح الله تعالى بالسبي فلا يوجد سبي ولا يوجد أي قضية مرتبطة بالسبي.

يبقى السؤال كيف دخل علينا السبي؟

علينا أن نعرف أن في زمن الرسول (ص) كان هناك مجتمع قرآني من أتباع النبي محمد (ص) ومجتمعات لا قرآنية جاهلية معادية للنبي محمد (ص). وكانت تلك المجتمعات الجاهلية في زمن الرسول (ص) تطبق وبشكل متوازي قوانين وأعراف جاهلية وهذه الأعراف كانت تنظم تلك المجتمعات غير القرآنية برسم  علاقات المجتمعات في وقت السلم وأخرى وقت الحروب، وكان من عادة الجاهليين إذا إنتصروا في الحرب أن يسبوا نساء وأطفال الخصم لكي يهينوهم .ويكبحوا القبائل الأخرى من مهاجمتهم بأن مصيرهم سيسبب سبي نسائهم.

الموروث المشوه يزاحم القرآن 

ولكن علينا أن نسأل: هل كل من أسلم تخلص من أعراف الجاهلية؟ ومن ثم هل تم أسلمة بعض أعراف الجاهلية وإظهارها على أنها جزء من الدين الإسلامي؟ 

في هذا الإطار فقد روى لنا أهل السير رواية غريبة صاغوها بطريقة تناسب من أسلم ممن يرى باستمرار بعض عادات الجاهلية على الرغم من وضوح آية (فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاء) المانعة للسبي من خلال عدم جعله اختيارا قرآنيا. 

قال ابن إسحاق ‏:‏ فحدثني عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عبدالله بن عمرو ‏:‏ أن وفد هوازن أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد أسلموا ، فقالوا ‏:‏ يا رسول الله إنا أصل وعشيرة ، وقد أصابنا من البلاء ما لم يخف عليك ‏.‏ فامنن علينا ، من الله عليك ، قال ‏:‏ وقام رجل من هوازن ، ثم أحد بني سعد بن بكر ، يقال له زهير ، يكنى أبا صرد ، فقال ‏:‏ يا رسول الله إنما في الحظائر عماتك وخالاتك وحواضنك اللاتي كن يكفلنك ، ولو أنا ملحنا للحارث بن أبي شمر أو للنعمان بن المنذر ، ثم نزل منا بمثل الذي نزلت به ، رجونا عطفه وعائدته علينا ، وأنت خير المكفولين ‏.‏

ما هي القصة هنا؟ غاية الأمر أن قبيلة هوازن جلبت نسائها وأطفالها عندما خاضت معركة حنين ضد الرسول (ص). في هذه المعركة قتل كثير من رجال قبيلة هوازن. حرصا من الرسول ص على سلامة نساء وأطفال هوازن من أن يقوم بعض المسلمين الذين يصرون على ممارسة أعراف السبي الجاهلية من السطو عليهم، قام ببناء حظائر من الخيام وأبقاهم في داخلها مع وضع حماية تحرسهم. ومن ثم تفاوض مع من بقي من زعامات هوازن على قيد الحياة وسلمهم النساء والأطفال بكل كرامة وصون ورعاية. 

فكرة السبي قائم على إزار الوازرة لوزر أخرى

هؤلاء الذين يجتهدون على إيهامنا بأن ما حصل هو سبي لنساء هوازن وأطفالها قد انزلقوا، أيضا، إلى ايهامنا أن الإسلام يعاقب النساء والأطفال على أفعال لم يفعلوها. هم هكذا يحمّلون النساء والأطفال أوزار فعلة رجالهم مخالفا بذلك مبدأ قرآني: “أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ (38) وَأَن لَّيْسَ لِلْإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَىٰ (39) سورة النجم. وهذا ما لا يمكن. فكيف بهم يقدمون قصة ضعيفة على نص قرآني واضح. 

إن الرسول ص أعظم من عمل وطبق القرآن الكريم وهو المعروف ص على لسان زوجته، عائشة الكريمة رضي الله عنها، على أنه قرآن يمشي فلا يعقل أن ينجح إيهامهم هذا على من يقرأ القرآن الكريم بعيدا عن وشاوشهم. 

مقاومة عمر بن الخطاب للسبي 

الأمر ليس بالهين. فمحبي إستمرار فكرة السبي كانت ومازالت لهم خطاباتهم وأفعالهم المساندة لفكرة السبي. كما أن مقاومي هذه الفكرة من بين الصحابة والصحابة نقل إلينا.  فبعض الصحابة كانوا يقاومون “أسلمة” بعض الصحابة للسبي وكانوا يقاومون جعله جزء من الفهم الإسلامي على الرغم من القرآن العظيم. في إطار هذه الجدلية كلنا يتذكر مقولة للفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنه 

متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا؟

لقد أطلق عمر بن الخطاب هذا الشعار مباشرة بعد اعتلائه كرسي الخلافة مما يعني أنه كان يحارب من يحاول أسلمة السبي. لقد قام جاهدا عمر بن الخطاب  بتصحيح المسار الإسلامي ليتوافق مع الصحابة المنادين بالإصطفاف مع سورة محمد في مواجهة “أسلمة” فكرة السبي.

ملكة اليمين القصة الكبيرة

عندما تأسست دولة النبي محمد ص في المدينة المنورة كان المجتمع نتيجة أعرافه الجاهلية السابقة مليء بتكدس الجواري وبالإِماءٌ وبالعبيد. إذا كان لا بد من إيجاد قانون للتعامل مع هذا المخزون بطريقتين.

الطريقة الأولى سورة محمد والتي منعت إنتاج السبي. فالسبي هو المصدر لتحويل الناس إلى عبيد وإماء.

الطريقة الثانية كيفية التعامل مع المخزون الراهن في زمن النبوة. على مستوى محمد ص الشخصي حرر من كان قريب منه وجعلهم أصدقاء. وحفز رفقاه على إتباع ذلك. كما سن القرآن مكارم تحرير من كان تحت يده من العبيد والإماء.

كما قلت كان هناك مخزون هائل في زمن النبي ص من العبيد والإماء ولكن لم يرغب كل فرد بتحرير ما تحت يديه طواعية. 

فكان لابد من تشريع قوانين مؤقتة تنظم علاقات واحتياجات هذا المخزون من الناس. أناس مغلوب على أمرهم وجدوا أنفسهم نتيجة ظلم بشري واقعة في إطار إستعبادي. 

بسبب إمتناع الأسياد من تحرير ما تحت يدهم طواعية كان ولابد من إيجاد تشريع يعالج هذه الحالة المؤقتة. فتجد في الشرع تنظيم مفاصلات ومنازعات وعلاقات جنسية وتزاوجية لمن علق في شباك العبودية. 

مالذي جرى؟

ولكن علينا التذكر أن سورة محمد كان يجب عليها عدم إنتاج سبي يضخ بأعداد جديدة من الناس الى هذا المخزون. مخزون كان يجب أن ينتهي منذ قرون. سورة محمد أوقفت كل إنتاج للسبي 

إذا ما لذي جرى؟. هذا بالضبط الذي كان يريد أن يوصله لنا عمر بن الخطاب جاهدا عندما أطلق صرخته المشهورة المتروكة (متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا؟)

 لقد حاول الخليفة عمر أن يقف ضد من يحاول أسلمة فكرة السبي وجعله جزء من الإسلام. ولكننا لا نريد أن نرى الحق حقا ولا أن نتبعه فقد غلبت شقوتنا وشهوتنا علينا.

بلا شك أن بعض التراث يشاغب على رؤية صريح القران وللتمكن من اتخاذ موقف قرآني من المواضيع القرآنية علينا التخلي عن الكثير من النظارات التي ورثناها ووجدناها قابعة فوق بصائرنا 

احصل على تحديثات في الوقت الفعلي مباشرة على جهازك ، اشترك الآن.

4 تعليقات
  1. مرغني بلقاسم يقول

    مقال مهم جدا خاصة في زمن ظهور الافكار الاصولية المتطرفة واصحاب التفاسير الخاطئة او الفهم السقيم للقران الكريم …ان الكثير من الراغبيين باستمراء السبي وملك اليمين هم فقط من الذين تستهويهم المراءة وليس لديهم حد جنسي لذلك يرغبون في استمرار هذا الفكر فكر السبي وجعله امرا الاهيا وسنة نبوية وعملا صحابيا للاسف فليس هناك من يحاول من المفكرين ابعاد هذه الشبهة عن الاسلام فالاسلام يرتكز على دحر العبودية وعدم المساس بحرية الاخر فكيف يكون السبي من مخرجاته هذا تناقض عظيم ولعل هذا الموضوع هو احد الاوراق التي يلعب عليها العلمانيون او اللادينيون وغيرهم …نشكر صاحب المقال على ايضاح الصورة ونتمنى لبقية المفكرين الكتابة في موضوع السبي وملك اليمين وشكرا

  2. مريم يقول

    المقال ابداع أعجبنتي طرح الفكرة والادلة من القرآن والسنة

  3. Talib hashim يقول

    انا سأحاول ان احفظ هدا البوست بدل استنساخه كونه رائع

  4. Rabab alameri يقول

    مقالة ماتعه ورائعه بحق تأخذنا مقالاتكم لنعيش ذلك الزمن مااستطعنا وهذا يأخذنا الى تساؤلات عميقة وملامسة للواقع القريشي وقبائلي ايضا من عادات وسلوكيات ..فحتى ندرس طبائعهم وممارساتهم الحياتية نرى ان السبي والاغارة حالة مهمه وكأنها لايوجد غيرها سبيل ..!! للعيش المعتاد من هكذا صورة …هل قريش كانت لاتجيد سوى الفوضوية المعهودة عكس الطوائف الاخرى التي تتميز بأكتسابها حرف معينه ومهن وتجارة وكنز للاموال فكانت لدى البدووو او الطابع البدوي السائد لدى قريش والقبائل ان تكون طوائف والملل محط أهتمام وغنيمة اذا ماحانت فرصة أغارة ….
    وهذا ماانتفض لأجلة الخليفة الثاني عمر بن الخطاب رضي الله عنه في وضع حد حاسم امام طرق العيش وكسب الرزق وتحويل المجتمع من الفوضويه الى منتج ومتعلم ومتعايش
    بوركتم استاذ محمد ال زكري

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.