شتّان ما بين معلّم يحترم عقل المُتعلِّم، و معلِّم يُغيِّب عقل المُتعلِّم

الاعتراض على ظاهرة معيّنة بغية التغيير و التفنيد و المناقشة الخاضعة للمنطق ، والمبنية على شكّ عقلاني غير عبثي، هو أمر واجب ليس ضرورياً وحسب، والنقد، في مكانه الصحيح، فريضة. عند عرض حالة ما، مكررة أو منتشرة، دون التشهير بأسماء الأشخاص بشكل مباشر (إن لم يكن الموضوع خطيراً أو سيئاً لدرجة يستلزم معها التشهير)،

فهدف ذلك هو ألّا نكون كالماعز، التي تتناول كل ما في طريقها، وتجتره طويلاً، نتيجة الجوع وعدم التمييز، أي لكيلا يدفعنا الجوع الفكري و عمى البصيرة، وغياب العقل النقدي، إلى تلقّف كل ما يتقيّؤه أولئك الذين يحملون صفات وألقاب تمنحهم تبجيلاً وتقديساً أعمى من بُسطاء الناس و عامّتهم..

أن تدفعك الفوقيّة والرغبة بالشهرة و جني المال، إلى “خلط الحابل بالنابل”، و جعل الطبّ الشعبي والخلطات التي لا تخضع لشروط التعقيم والتحليل والقياس، أملاً وعلاجاً لجائحة لا يزال العالم بأكمله يقف مرتبكاً أمامها، و أن تفسّر كل حادثة، حتى سؤال طالب ما عن فكرة لم يفهمها، تفسيراً قائماً على “نظرية المؤامرة” وبأنّ الطالب أراد الإيقاع بك!،

و يستفحل الأمر، حدّ وصولك إلى مرحلة تفسير مشكلة عالميّة بنفس الطريقة، فصدقني ذلك لا يتطلب نقداً منّا فقط!، بل لا بدّ من خضوعك لعلاج، يقلل لديك حدّة أعراض هذا العُصاب، الذي لا خجل منه، فكلّنا نحمل من العُقد والمشاكل النفسيّة ما يكفي، لكن كونك “رَجُل علم” في موقع مسؤولية، يتوّجب عليك، أن تحاول قدر المستطاع ترك معتقداتك و ما لقنّوك إياه في الحزب الذي تنتمي إليه، بعيداً عن النقاش العلمي و الأكاديمي.

وجود شخص معطوب، في مجموعة كبيرة من الأفراد، قد يكون غير مؤثِّر فعليّاً، لكن المصيبة الحقيقيّة عندما يكون هذا الشخص هو الأكثر احتكاكاً بالطلاب وشعبيّة بينهم، كونه ذا لسانٍ سليط و شخصية “حرباء” تتلّون وتتغيّر، لا وفقاً للبيئة فنبرر ذلك بالتكيّف و التأقلم رغبةً بالبقاء أو التطور، بل وفقاً لمصلحة تافهة، كاجتذاب الآخر و فرض الحضور والإعجاب على ثلّةٍ من المراهقين الذين تلطمهم الأمواج يميناً ويساراً دون استقرار أو ثبات، فيقدّسون هذا وذاك، لا وفقاً لإنجازاته الحقيقيّة، بل وفقاً لمكانته الاجتماعيّة أو انتمائه الطائفي، أو افكاره المتطابقة مع موروثاتهم الدينيّة أو السياسيّة. كان شوبنهور، حكيماً بلا شكّ حينما أوضح أنّ ذا العقل لا تؤثر فيه كلمات المدح والمجاملة المبتذلة، كما لا تؤثر فيه كلمات الذمّ العابرة، لأنّها كلّها سواء في تأثيرها النفسي على المدى البعيد.

لكنّ كلّ من يشعر بالنقص والفراغ في داخله، يبحث عمّا يرطّب له روحه و نفسه، في الخارج، لذا لا ارتواء له ولا قناعة لديه. أذكر أستاذاً كان يأتي من محافظة السويداء إلى كلية الزراعة في دمشق لإعطاء محاضرة في مقرر (التعاون والتسويق) كل أسبوع، إذ كان يصل من السفر صباحاً، متوجهاً مباشرةً إلى القاعة التدريسيّة، و رغم ضيق وقته، وعلمي بتنقلّه بين المحافظتين، وانشغاله مع طلّاب الدراسات العليا، إلا أنني حينما عرضت عليه بحثاً صغيراً كتبته اعتراضاً على ما قرأته في الكتاب الجامعي، رحّب بذلك، ورغم عدم وصولي معه إلى نقطة اتفاق واعتراضي حتى الآن ، و رغم إدراكي لاحقاً وبعد المراجعة، أن نقاشي للأفكار و ترتيبها في ذلك البحث، كان منقوصاً، إلّا أنّه قرأ كل كلمة بهدوء و علّق على ما كتبته باحتواء، حتى لم يغب عنه عدم ترقيمي للصفحات، وغلطة إملائية سقطت سهواً بين السطور المتراصة!.

و على الجانب الآخر، أحد الأساتذة وفي حديثه عن التطوّر البيولوجي-الذي أخذه بتهكّمٍ و استخفاف- حاول دعم كلامه ورأيه الشخصيّ بآيةٍ ما (عن بعوضة فما فوقها) !!، ثمّ باشرني بسؤال: “يعني أصلنا قرد؟….

عندها، و للحظة، نسيت وبكلّ صدق، أنني في الجامعة وأنّ من أمامي هو بروفيسور، وتذكرت كلّ الثرثرات الفيسبوكيّة و ما تحمله من شتائم يطلقها أولئك الذين رَضوا بالجهل ديناً، إذا ما مسّ أحدٌ ما، موروثاتهم.

وبعد كل هذا الحديث، و كلّ المواقف التي يمرّ بها الطالب خلال مراحل دراسته، نتيّقن أنه شتّان ما بين معلّم يحترم عقل المُتعلِّم، و بين معلِّم يُغيِّب عقل المُتعلِّم، عمداً أو بغير قصد. لا نيّة لي في مهاجمة أشخاص، كما اتّهمني أحدهم قبل عدة أيّام، ولا زلت لم أحقق شيئاً يذكر -ليس تواضعاً مصطنعاً، بل اعتراف- لكن من حقّ العقل علينا أن نتجنّب الانسياق وراء الحماقات قدر المستطاع، و أن نُحاكم أفكارنا و ما نتلقّاه من معلومات، و ما نلقاه من أحداث و مواقف.

احصل على تحديثات في الوقت الفعلي مباشرة على جهازك ، اشترك الآن.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد

سياسة الخصوصية وملفات تعريف الارتباط