دخلت هامبورغ شاعراً عاقلاً، وخرجت مِنها حَاملاً جنون الشِعر وشطحاته!.

دخلت هامبورغ شاعراً عاقلاً، وخرجت مِنها حَاملاً جنون الشِعر وشطحاته!.

عندما تلقيت دعوة لإقامة أمسية شعرية في “مهرجان الثقافة العربية “2022 في مدينة هامبورغ الألمانية

عندما تلقيت دعوة لإقامة أمسية شعرية في “مهرجان الثقافة العربية 2022 في مدينة هامبورغ الألمانية

من صديقي المخرج و الصحفي أحمد الظاهر، كنت سعيداً جداً كوننا كنا قبل عامين قد اتفقنا على إقامة أمسية شعرية في مدينة السحر والجمال هامبورغ.

كنا وقتها قد أتممنا جميع التحضيرات للامسية الشعرية، ولكن بعد ذلك اضطررنا لإلغاء الأمسية بسبب انتشار

جائحة كورونا.

وكنتُ مشغولاً بالتحضير لأمسية شعرية أيضاً في نفس الشهر في حديقة “المُستشارية الألمانية” ضمن فعاليات

اليوم المفتوح داخل البرلمان والمستشارية الألمانية.

وكنت على دراية تامة بالقصائد التي تُناسب هذه الأمسية كونها في برلين، والحضور هم أعضاء البرلمان.

قدمت قصيدة (برلين المنفى والوطن) كونها تُعالج بعض المشاكل التي تقف في وجه أفراد الجالية العربية

في برلين مُستغلاً فرصة تواجد بعض البرلمانيين ووزيرة الثقافة الألمانية “كلاوديا روت”

أما فيما يتعلق بأمسية هامبورغ لم يكن قد تكون لي بعد الجو العام للأمسية والقصائد التي تُناسب

ذائقة الحضور وفيما إن كانت اهتماماتهم سياسية أم عاطفية.

بعد ذلك قررت أن تكون الأمسية سياسية بحته. بما فيها مواضيع اللجوء، وما ينتج عنه والأعباء المُختلفة التي

يتحملها اللاجئ في مكان لجوئه من العنصرية إلى عدم توفر الأوراق لإثبات شخصيته إلى الحنين إلى وطنه الأم

وفي الحقيقة المُشكلة الثانية التي كانت تلعب في رأسي، هي الدافع النفسي وهذا الأمر مرجعه لحادثة سيئة

صادفتني قبل 6 أعوام في محطة القطارات الرئيسية في مدينة هامبورغ حين وصلتها لاجئاً لا أملك إلا ثيابي

التي أرتديها ولا أستطيع التواصل مع الآخرين بسبب وجود حاجز اللغة التي كنت لا أجيدها في ذلك الوقت.

ومع ذلك كانت العاطفة للشعر، والتواصل مع الأصدقاء في هامبورغ أكبر من أي حاجز نفسي قد يؤثر على

مزاجي الشعري.

دخلت هامبورغ صباح يوم السبت 10.09.2022 شاعراً يحملُ قصائده بين يديه.

ويحمل الكثير من الأمل والحب لتلك المدينة التي كنتُ قد نمت في محطتها ليلةً كاملة تائهاً لا مكان لي فيها

قبل 6 سنوات.

دخلتها شخصاً جديداً بقصائد جديدة حَاملاً الكثير من الحب والكلام الدامي والقوافي الباكية.

القهوة في هامبورغ

شربتُ قهوتي في ميناء هامبورغ مع الشاعرة الأسكتلندية راشيل كلارك التي رافقتني في إقامة الأمسية

باللغة الألمانية.

ساعات قليلة قضيتها في هامبورغ كانت كافية لخلق عالم شعري موازي.

 كانت كفيلة تلك الفترة الزمنية القصيرة في أن أخلعَ ثوب الشاعر عني، وأمشي عارياً على الميناء

لا احمل إلا هوية مشكوك فيها لا تُدخلني إلا إلى بلاد الشِعر والجنون.

في هامبورغ أصبحت الأسماك تُتقن الشِعر والإلقاء، والأمواج تغزل معها القوافي، والسُفن الراسية في الميناء

تتسابق فيما بينها لحجزِ مكان لها في أمسية بحر الشمال.

وأنا تحولت لطفلٍ صغيرٍ يلتقطُ الهدايا من كل صوب “وزن هُنا وقافية هُناك” بدأت أجمع ما أستطيع

وأرميهم في البحر ليعودوا لي على شكل قصائد من صدفٍ ومرجانٍ ومحار.

ارتديت ما استطعت من ذلك الجنون الذي داهمني لبِستُ الشِعر وتعطرتُ بالزبدِ البحري ومشيتُ مُسرعاً.

الأمسية الشعرية على ضفاف نهر الألب

دخلنا القاعة التي من المُفترض أن تُقام الأمسية بداخلها وحسب البرنامج المُعلن في “مهرجان الثقافة العربية “ يسبق الأُمسية معرض الخط العربي للفنانين ربيع السيد ويمان الباقر.

تنقلت بين لوحات ربيع ويمان بسعادة كبيرة معرض الخط العربي في هامبورغ والحروف العربية هُنا لها صوت

مُختلف لها شكل مُختلف عالم آخر، مِنها من يُراقص الحركات ويُعلن عن إقامة أبجدية جديدة

ومِنها من يخرج عن سلطة السطور، ويرمي بنفسهِ على الورق الأبيض خطاً حُراً يفعلُ ما يشاء.

تنقلت بين قصائد محمود درويش، وأبن عربي، وغيرهم من الشُعراء التي خُطت بعض أبياتهم الشعرية

على بعض اللوحات.

كان الحُضور يزداد شيئاً فشيئاً، وكنتُ سعيداً جداً بهذا الشباب العربي المُهتم بالفن، والشعر، والخط العربي

على الرغم من صعوبة وجودنا في مكان لا ننتمي لهُ، ولا يتحدث لُغتنا ومع ذلك فاضت القاعة بالحضور.

عند الساعة الثامنة مساءً كان مشهداً رائعاً أعطاني نفساً شِعرياً ودافعاً لقراءة كل ما كتبت من شعر في حياتي.

الشعر في الهواء الطلق

اضطر المسؤول عن تنظيم المهرجان صديقي أحمد الظاهر لنقل الأمسية الشعرية من المكان المُخصص لها إلى الحديقة الخارجية وذلك لعدم أتساع المكان للجميع، ومع ذلك أكمل الكثير منهم الأمسية وقوفاً في سبيل الاستماع للشعر.

ويجب التذكير هُنا أننا في هامبورغ ولسنا في دِمشق ولا في بغداد أدركتُ حينها أن اللغة العربية مازالت بخير.

ومُحبيها مازالوا يأتون لزيارتها، ولو كانوا في المنفى. وأن الشِعر لازال يافعاً مطلوباً بغض النظر عن أسم الشاعر

الذي سيقرأ القصيدة.

اللافت هُنا أن الحضور لم يكن يقتصر على الجالية العربية فقط، وإنما كان هُناك حضور جيد من الجانب

الألماني بالإضافة إلى جنسيات مُتعددة كانت حاضرة.

دخلتُ هامبورغ شاعراً يحملُ بعض الكلمات، وخرجتُ منها شاعراً يحملُ الكثير من القصائد التي تعبق

برائحة الميناء، وأصوات النوارس، وبوصلة السفن التي تأتي من الضباب، وتختفي في السراب.

دخلت هامبورغ بحذر مُختبئاً خلف كلماتي كنتُ ألقي البيت الشعري كقنبلة وانتظر الموت معه ما بين الفواصل

خوفاً من انتكاسةٍ مزاجيةٍ تُعكر صفو الأجواء من خلال كلام السياسة وهجاء الديكتاتور والتغني بالحرية.

 وخرجتُ منها مُحملاً بالقُبلات، وبأرقام الهواتف، وعناوين قصائد جديدة لها بدايات وليس لها نهايات.

أدخلتني هامبورغ في عالم من الجنون لم أخرج منه حتى اليوم.

دخلتها شاعراً عاقلاً منطقياً واقعياً وخرجتُ منها شاعراً يأكل الكلمات، ويشرب البحر مع الأسماك.

خرجتُ منها حاملاً جنون الشعر وشطحاته.

كشفت عن جراحي بها، وسمحتُ لأنيني أن يخرج ويمشي حيث يشاء، ويبكي على صدر من يشاء.

وبادلتني هامبورغ بأبجدية جديدة تعرف اسمي جيداً وعنوان أوراقي والطابق الذي أسكن فيه والسطر

الذي أرمي جراحي عليه والفاصلة التي أرمي حروفي عليها، والنقطة التي أعلن استسلامي عندها.

العود والشعر العربي

شاركتني الكاتبة الأسكتلندية راشيل كلارك مع عازف العود علي شبلي الجزء الأول من الأُمسية حيث قدمنا نوع جديد وطريقة جديدة من الشعر الذي يُحاكي المُستقبل.

حاولت راشيل أن تطير بنا إلى عام 2050 ونتخيل شكل الحياة بعد 30 أو 40 عاماً.

وساعدتنا على أن نسرد خيالنا على شكلِ قصيدة مكتوبة.

تناولت الشاعرة (كلارك) موضوع المناخ والتلوث البيئي وحلقت بنا الى عالم جديد رُبما نحبهُ جميعاً

كوكب من نِساء الى حكومة عالمية تحكمها النساء عالم نسائي خالص.

 وهنا لا تعني الشاعرة (كلارك) في قصيدتها النساء فقط.

فالرجال أيضا لهم بعض الجوانب أو السلوكيات الأنثوية كما للنساء أيضا لهم بعض الجوانب الذكورية.

 قمتُ بترجمة القصيدة على صعوبتها رُبما نجحت، وربما أخفقت لكنها تجربة جيدة أن أترجم قصيدة طويلة

من ١٥ مقطع بمدة زمنية تمتد ل 15 دقيقة في الإلقاء من الألمانية إلى العربية.

مع محاولاتي إيجاد قافية مُوحدة من النص الألماني كانت مُهمة صعبة جداً.

 بالإضافة للكلمات المُستحدثة التي مرت معي كالهولوغرام، والمنصة ثلاثية الأبعاد، والسيارات التي تسير على

 الماء إلى ما هُنالك من تلك الكلمات التي استخدمت في القصيدة.

سعيد جداً بالحضور الكبير الذي فاضت به القاعة، وبالحب الكبير الذي غمرنا به كل الحضور من مُحبي

الشِعر والفن والمُوسيقى.

قدمت خلال هذه الأمسية مجموعة من القصائد التي من المُخطط لها أن تصدر في الديوان القادم

باللغتين العربية والألمانية.

وفي نهاية الأمسية طلب بعض الحضور المُشاركة وإلقاء بعض القصائد التي حملوها معهم.

وكان لهم ذلك على الرغم من ضيق الوقت، وصرامة الألمان في الالتزام بالوقت المُحدد ومع ذلك امتدت

الأمسية لساعة كاملة عن المُخطط لها.

ولابد لي هُنا من التقدم بالشكر الكبير للقائمين على مهرجان الثقافة العربية في هامبورغ وعلى رأسهم

الصديق “أحمد الظاهر” مُمثلاً بمؤسسة أراب ومدير ومؤسس مهرجان الثقافة العربية في مدينة هامبورغ وباقي المُنظمات و المنظمين الذين شاركوا بالتحضير والدعم.

شكرا على المساحة الكبيرة التي أُعطيت لنا لقراءة الشِعر ولا شيء غير الشعر.

حسن ذي النون

Hasan Ze Alnoon

برلين

احصل على تحديثات في الوقت الفعلي مباشرة على جهازك ، اشترك الآن.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد