اشواق مبعثرة

سلمى كنفاني

أجد دائما الإبتسام فوق ركام الوجع الذي بداخلي، رغم سوداوية الواقع الذي أعيشه مثل بقية المغتربين عن أحبائهم، لم تكن إبتسامتي كذب ولا تمثيل بل هي إصرار على العيش رغم حالة اليتم التي تصيبني غالبا

ليس اليتم فقط أن تفقد والديك، بل أن تفقد من يربت على كتفك ومن يعتني بك في مرضك، من يجعلك تبتسم رغم آلامك، من يمسح عن خديك براح كفه دموعك التي تحفر كالرصاص ، نعم هذا اليتم بعينه فها أنا

أستيقظ بعد أن كنت طريحة الفراش لعدة أيام حين غزاني المرض لأنام على فراشي اللعين مجبرة دون أي مقاومة مني للنهوض كانت أيام عصيبة لكنها مرت و لكن لم أعد واثقة بأني سأنهض مثل كل مرة فربما

تكون المرة القادمة هي الأخيرة لي، فحالة اليتم تلك أصابتني عندما أصابني دوار دهليزي و ألم في أذني و بلعومي و عجزت عن فتح نافذتي لأستنشق هواء جديد، حين شعرت بالجوع و لم أقوى على صنع لفافة زعتر

أو جبن، يتيمة اقف أمام مرآتي لأجد شعري منثور بشكل رهيب و كأنني ناجية من معركة، نعم تلك أكبر معاركي حين ترميني الحياة و لا أجد من يمسكني، حرارتي كادت أن تقتلني مع كآبتي الغبية، كانت ولادة

حياتي حين شعرت بتحسن فصنعت كأس شاي بفرحة غامرة، و مشيت بثقل إلى غرفتي المظلمة التي أهوى عتمتها، فتحت نافذتي قليلاً لأرى الضوء و أشغلت هاتفي على أغاني فيروز تلك الوحيدة التي تجعلني أشعر

بالخير و بالصباح و بالحياة و للصدفة الحقيرة كانت الأغنية “يا طير يا طاير على طراف الدني لو فيك تحكي للحبايب شوبني”، رمتني تلك الاغنية بوجع فوق وجع و لم أقوى بعده على الصمت بكيت بصوت كاد

يسمعه الجيران، سحبت به أقوى شهقاتي و لفظت بذاك البكاء أعنف زفراتي فقد كانت تلك الأغنية الأحب لأمي و لطالما تجنبت اي شيء يذكرني بها، فلوعة الشوق لحضنها تفطر قلبي، كم وددت أن اشكو لها

ضعفي و وحشتي، هذا هو الجانب الذي أخفيه خلف أحمر شفاهي و خلف وجهي المبتسم دوما، هذا الجانب الذي يعيشه المغترب و الذي نجتمع معا فيه هو لوعة الإشتياق للأحباء، هذا

هو الوقت الأسوء الذي لا يعرفه من يُهاتف أمه ليسمع صوتها و يأخذ رشفة من حنانها، هذا الجانب الذي يجهله من يملك عائلة و من ينام بجوار أخوته و يجهله الحاسدون لذا يا أعزائي علينا أن نعي جيدا بأن وراء كل وجوه ضاحكة و شفاه مبتسمة رواية لا نعرفها نحن!.

اضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *