Photo by Jess Vide from Pexels

أُبقيك تحت الإهانة و الحرمان لكيلا تفكر يوماً بالطيران

قبولك لفكرة ما، يعتمد على فحوى هذه الفكرة وأبعادها و لا يعتمد على شخصية حامل الفكرة سواء أكان مفكراً أم ناقلاً للفكرة أم مؤيداً لها ومتحدّثاً بها.


الكثير من الأفكار تُهَاجم لا لعدم جدواها أو سوء نتائج الأخذ بها، بل لمهاجمة الأشخاص الحاملين لها و توجيه الانتقاد اللاذع لهم و التنمر عليهم بصورة أقل ما يقال عنها أنها وقحة.


على سبيل المثال، بعض النسويات اللواتي طالبن بتغييرٍ ما في واقع المرأة أو إيقاف العنف ضدّها، لنجد موجاتٍ من التنمر عليهنّ شكلاً و مظهراً، دون الالتفات للفكرة التي تحدّثن عنها، و أنا أقصد هنا الأفكار القيّمة فعلاً في قضية تحرير المرأة وتمكينها، كإيقاف العنف، و القدرة على التعبير، والتعليم، و الاستقلال المادي، ومنحها مراكز تستحقها في الوظائف والمجتمع عموماً.


وبعد كلّ التنمّر السخيف الذي يمارسه البعض من الرجال، تجدهم يتّهمون الأنثى بأنها “تلعب دور الضحيّة”، علماً أنهم مَن جعلوها ضحيّة واقعاً لا تمثيلاً، منذ البداية.


هؤلاء المُتّهِمون لها بتمثيل دور الضحية، نفسهم يتحدّثون عن أنهم ضحايا استغلال النساء لهم، مختلقين قصصاً من تحت أظافرهم -كما يقال- عن سوء النساء وظلمهنّ وأن النساء طامعات يرغبن بالمزيد دوماً.
ليستمرّوا في هذه التمثيليّة الدراميّة لامنتهية الفصول، طالما أنّ لهم حرية الإساءة للمرأة بتأييدٍ من الدين والمجتمع والقانون أيضاً، و ذلك في حالةٍ من الإسقاط لِما فيهم هم على المرأة و الطفل، سواء أكان ما يسقطونه نقصاً أم قباحةً أم تقصيراً.


وصفة جيدة للتهرب من المسؤوليات، بقول الرجل أنّ الأنثى مُتَطلّبة وأنّها عبء ثقيل وأنّ الأطفال همومٌ لا تُحتمَل، وبإضافة بعض الشتائم والكثير من اللَعن للساعةِ التي عرف فيها النساء و تزوّج، تنجح الوَصفة وتلقى تأييداً لتكرار تجربتها في كلِّ مناسبة، في سبيل نفي السوء عن الرجل و وضعه في موقف المظلوم من المرأة، والحياة أيضاً!


يخبرني صديقي “المثقف” قبل عدّة أيام، بأنّ الأنثى غالباً لا تقبل الدخول في علاقةٍ ما دون آمال و دون وعودٍ حقيقيّةٍ لاحقة، وأنّه لا يستطيع المبادرة بعلاقةٍ تحمل آمالاً، ليختتم حديثه الطويل “الشيِّق” بأنّ المرأة “استغلاليّة”!


علماً أنّه طوال الحديث كان يُعبّر عن بحثه عن فتاةٍ يأخذ منها دون أن يعطيها و دون أن يتحمل وِزر العلاقة معها، بكلماتٍ أوضح، كان يشتكي من عدم إيجاده مَنْ تَقبل بعلاقة جنسيّة مستمرة و دائمة لكن دون ارتباط أو قيود أو التزام منهُ، مع اشتراط ألا تكون “مومساً”، فهو يريدها (ما قَبَّل فَمها غير أمّها).


لا يهمّني ما قاله بقدر ما تهمّني حالته هنا، التي هي إسقاط لرغبته في الاستغلال على الآخر، ليتجنّب بذلك الكَدَر الناجم من رؤية نفسه في موضعهِ الحقيقيّ.


الأمر لم يتوقف عند ظلم و استغلال الأنثى أو تسخيرها لتنفيذ مهام معينة وحصر وجودها في هذه الأدوار المرسومة مسبقاً والمُتفَق عليها، بل تعدّى ذلك إلى حالة الاستياء منها رغم كلّ ما تبذله و الإساءة لها دون مبرر، في سبيل تقييدها في المكان الذي أوصلوها إليه، على مبدأ (أُبقيك تحت الإهانة و الحرمان لكيلا تفكر يوماً بالطيران).

فالعامل النفسي هنا، يكون بإقناعها أنّ هذا هو الوضع الطبيعيّ والوحيد لها، و إلقاء التُهم عليها، دون أن يكون لها الحقّ في الردّ أو التعبير عن أوجاعها لأنها عندئذٍ وبكلِّ بساطة، ستوصف بأنّها مُتلاعبة و مُتباكية تجيد التمثيل!.


كلُّ هذا وذاك، كان ذا مفعولٍ قويّ وأثر مستمر لتحقيق ما نراه حولنا و ما وصلت إليه حال النساء، ولا داعي للاستفاضة بالشرح والتوضيح.

احصل على تحديثات في الوقت الفعلي مباشرة على جهازك ، اشترك الآن.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد

سياسة الخصوصية وملفات تعريف الارتباط