nur Wasser.. ياروحي

سلمى كنفاني

كنت قد سمعت مثل عربي يقول “الماء هو الحياة” لا اعرف حقا ان كان مثلا او غير ذلك . لكنني لطالما ارتويت من ماء بردى و تغنيت بالعاصي و الفرات . فكم من أرض ارتوت أشجارها الجافة من تلك المياه النقية.
اليوم أنا في هامبورغ أتجول بين أنهارها باحثة عن متعه المساء لاستحضار ذكرياتي الجميلة التي قضيناها مع الاهل و الاحبه في العامية “السيران” كنا نجلس على ضفاف الربوة و غيرها من الاماكن التي كانت تجمع السوريين . الغريب أن الأنهار في هامبورغ مثل نهر ألستر و الألب لديها ايضا رونق سحري و جاذبية من نوع آخر لا يمكنني التشكيك فيه.

كريكاتير محمود هلهل


إليكم قصتنا مع الماء في ألمانيا: فقط ماء “nur wasser” مفردة شهيرة جدا في سائر ألمانيا حتى في أنحاء أوروبا و تلك المفردة تستدعي البعض للضحك كونها مرتبطة بوصفة طبية لكل من يزوره المرض، فنحن شعوب اعتادت تناول المضادات الحيوية في حال وجود إلتهاب او ألم حتى أصبح تناول الدواء أمر عادي. عندما نشتكي المرض أمام الجيران أو العائلة ينصحونا على الفور “خدلك حبتين أمبولكسين و بتصير متل الحصان” و طبعا أنا منهم فلطالما كان في جرار المطبخ حبوب مضادة للإلتهاب و خوافض حرارة لقد كنت دائما اذهب للصيدلية لتسوق بعض الأدوية بدون وصفة طبية. الغريب أننا لم نعي خطورة تلك العادات إلا عندما بتنا في أوروبا و وبقينا تحت رحمة الوصفة الطبية “الروشيتة”. إذا لم تملك وصفة طبيب حتما لا يمكن للصيدلي أن يعطيك نصف حبة و نحن الذين اعتدنا تناول الدواء و كأنه مكسرات و أصبحنا أطباء نشخص المرض و نأخذ المضادات له.
الطب في ألمانيا يشكل موضوعا جدليا ما بين مادح له أو ذام به. للمهاجرين رأي آخر و خاصة عندما تنصحهم بالذهاب للطبيب في حال اي تدهور صحي فسيكون ردهم على الفور لك ” بنعرف رح يقلنا nur wasser” الكلمة الشهيرة، المستفزة لشريحة اعتادت تناول المضادات دون قيود، فكيف لهم أن يقتنعوا بأن الماء هو الحياة في رأي الطب بأوروبا. أنا صدقا قد اقتنعت نوعا ما بتلك الوصفة، فالطب هنا يعتمد على تحفيز المناعة الطبيعية و تنشيطها ضد أي فيروس يهاجم المريض و لكن هناك بعض الحالات تستدعي الإهتمام و تقديم الرعاية الطبية فورا، فصديقتي عانت منذ مدة مع حرارة ابنها المرتفعة ليلا و التي كادت أن تقتله، لذلك ذهبت لطبيب العائلة و قال لها عليكِ شراء جهاز فحص الحرارة لمراقبة حرارة طفلك مع الإكثار من شرب الماء، و لكن في اليوم التالي ساء وضع طفلها للأسوء ،واصابه إرتفاع حرارة و تقيأ،واصبح الطفل يبكي من شدة الالم، عادت للطبيب مرة أخرى تطلب منه المساعدة و تقديم الدواء المناسب له لكن لم يعرها أي اهتمام و قال لها ” طفلك سيكون بخير لكن بعد أن تنتهي هجمة الفيروس التي أصابته و عليكِ بالماء فقط و كمادات القماش الباردة” طبعا الوضع لم يتحسن بل بدأت مخاوفها تكبر كلما ارتفعت حرارته ينتابها خوف وهوس بإن طفلها سيصاب بالسحايا، فلجأت لإحدى الصيدليات و بعد رجاء أعطتها علبة مضادة إلتهاب و كان الأمر.
الحديث يطول عما تعنيه و ما تحويه من قصص مفردة ” nur wasser” عند المهاجرين و المغتربين خاصة في وجود اختلافات حول المفاهيم و المعتقدات الطبية التي أجبرت البعض للإستعانة بالطب البديل في أوروبا حتى نشطت أسواق العطارة و تزايد عدد المهتمين بالحجامة و ما بين الدواء و الماء و اختلاف طرق العلاج يبقى للماء سحر خاص يروى العطشان و ينعش الصحراء البور لتصبح جنة خضراء.لذلك
نسأل الله لكم و لنا الصحة و العافية و أكثروا من الماء “wasser” فهي الحياة.

اضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *