كورونا: هل تعيد تشكيل أوروبا بعد تصدع قيم أخلاقيات المصالح النفعيّة؟

الفيلسوف الفرنسي المثير للجدل السيد ميشال أونفراي 61 عاماً يظهر علينا مجددا قبل عدة

أيام بنقده اللاذع ليُشخّص الحضارة الأوروبية ويصفها بالأقرب إلى العالم الثالث منها إلى

الأول وذلك بعد أن قيم طريقة معالجتها المثيرة للشفقة في التعامل مع فيروس كورونا.

وأشار أونفراي إلى أنه في إيطاليا التي يبلغ عدد سكانها 60 مليون نسمة، تسجل وفيات

بسبب فيروس كورونا أكثر من الصين، التي يبلغ عدد سكانها 1.3 مليار نسمة.

وأكد الفيلسوف أنه “في الواقع وباختصار أضحت أوروبا العالم الثالث الجديد”.

كل هذه الأراء الجريئة التي يتبناها ميشال أونفراي في جانب أقل ذعرا أمام ما شخّصَه من

خطر لتلك القناعات الأخلاقية البرجماتية التي تتبناها البنية السياسية الأوربية الراهنة.

فقد قال قبل عدة أيام في مقابلة مع أسبوعية “لوبوان” الفرنسية:

أنه نتيجة الرؤية السياسة الليبرالية الأوروبية قد قرر ضميرها ترك كبار السن الذين أصيبوا

بفيروس كورونا عند مدخل المستشفى ليموتوا في ركنهم، بزعم أن فرص نجاتهم كانت ضعيفة مقارنة بأولئك الأصغر سناً!

نحن هنا وأمام هذا النقد المهم الذي قدمه الفيلسوف ميشال أونفراي نتساءل هل هذه السياسية التي تعمل بها المستشفيات أمامنا يحمل في طياته أخلاقيات مقبولة،

خاصة أننا نتحدث عن أوروبا التي إفتخرت بتصدير القيم القانونية وأخلاقيات ضبط السلوك الإنساني على مدى مائة عام من الزمن، وهل هي أخلاقيات بلا بديل فلسفي يدحضها؟

إننا نواصل إثارة الجدل الفكري بين أوساط النخبة لكي لا تمر ملاحظات ميشال أونفراي بسهولة وذلك من خلال استحضار أفكار الفيلسوف الأمريكي مايكل جوستيس ساندل

(1953) أخصائي دراسات العدالة الاجتماعية والقانون السياسي في جامعة هارفارد.

لقد شرح السيد مايكل ساندل من خلال كتابه الذائع الصيت ” العدل: ما هو الشيء الصحيح الذي ينبغي عمله؟” ذات المعضلة التي طرحها الفيلسوف الفرنسي عندما تساءل ساندل: هل يجوز أمام النقص الطبي بالتضحية بكبار السن لكي يعيش الشباب؟

لقد وضح ساندل أن هناك منطقان أخلاقيان متعارضان يحكمان العالم بنسبة وتناسب.

الأول والأقوى والأسوء هو: أتباع منطق “أخلاقيات النتائج أو النفع للأغلبية وليس للجميع”
(Consequential moral reasoning)، وهو بالمناسبة المبدأ الذي كرّسه وأسسه له الفيلسوف ورجل القانون الإنكليزي الشهير جيرمي بينتام (ت. 1832م) في كتاب (مقدمة إلى مبادئ الأخلاق والتشريع) الذي صرّح فيه بوضوح اعتناقه وتأسيسه لمبدأ النفعية ورفضه لفكرة الزهد.

وهنا يتضح أن أتباع هذا الاتجاه يتخذون قراراتهم من خلال قاعدة: الصحيح يُعْرَفُ من خلال عواقبه ومن خلال معيار “أعظم خير لأكبر عدد”. هذا الشرح يخبرنا كيف يعمل العقل الطبي

الذي يتعامل مع حجم المصابين بفيروس كورونا في أوروبا والذي انتقده ميشال أونفراي.

أوليس إستيلاء دولة أوروبية على شحنة الكمامات الطبية الذاهبة إلى فرنسا يعكس فكر نفعي يقدم نجاة فئة على حساب موت فئة أخرى؟

ولكن ما هي النظرية الأخلاقية البديلة التي تواجه وتتحدى المنطق النتائجي والنفعي؟

إنه المنطق الأخلاقي التصنيفي (Categorical moral reasoning). فالأخلاقي

التصنيفي يتساءل: هل ترك المسن يموت لإنقاذ الشاب ينتمي الى تصنيف عمل صحيح أم خاطئ؟
ذوي الأخلاق التصنيفية يقولون بل إنه عمل غير أخلاقي ومرفوض لأنه خطأ في أصله وجوهره.

إذا ما العمل؟ هذا بالضبط الذي قصده ميشال أونفراي عندما نعت أوروبا بالعالم الثالث الجديد.
هو كأنما يقول لنا: لو كان أتباع العقل الأخلاقي التصنيفي هم الحكماء الذين كان الساسة

في أوروبا يستمعون اليهم من الأصل وعبر العهود الماضية ما كان هذا الوضع الطبي المزري ممكناً.


لكان ذوي المنطق الأخلاقي التصنيفي قد نصحوا الساسة منذ زمان أن يُرشّدوا مواردهم

ومصادرهم وميزانياتهم من أجل إنتاج السعادة للجميع وليس للبعض، ومن أجل تحقيق

المصالح المقررة قانوناً وعرفاً وأخلاقاً للجميع وليس لفئة دون أخرى. لو كانت أوروبا تسمع للعقل الأخلاقي التصنيفي لرصدوا ميزانيات ضد الأوبئة منذ زمن بعيد وفق نظرة استباقية

تقوم على تكريس فكرة الحق للجميع. فالكل كان يستشرف منذ قرابة عشر سنوات أن الدمار

الكوني القادم كان فيروسي وليس نووي.

نحن في لحظة تاريخية قلقة جداً، وحدتنا مطلوبة كسكان الكرة الأرضية جمعاء، ونحن واقفون

مذعورون ومندهشون من هشاشة حضارتنا -أخلاقياً ومادياً- أمام الغزو الفيروسي الكوني.
رأينا كيف أن المستشفيات في لحظة ظنناها متطورة جداً، هي في حقيقتها غير مستعدة

لتحقيق القيم الأخلاقية التي ضجّت كتب القانون الغربية بها.
نحن نعيش وخائم وتبعات تأثير منطق “أخلاقيات النتائج أو النفع للأغلبية وليس للجميع” الكوني وما صنع بنا. نحن بحاجة الى العودة الى أسس أخلاقية وسلوكية أكثر اتزاناً مما يُطرح

في واقع اقتصادي متوحش. كما أن أوروبا ذاتها، أكثر حاجة إلى العودة إلى أطروحات فيلسوفها إيمانويل كانط للميتافيزيقيا في الأخلاق لإعادة إكتشاف المنطق الأخلاقي التصنيفي الذي أهملته.

في هذا الإطار علينا أن نتأمل بجد ما أطلقه طلال أبو غزالة – وهو القانوني والاقتصادي

العربيّ العالميّ المتمرس- فقط قبل يومان صارخاً:

“الموضوع أكبر من كورونا علينا تأسيس مجلس حكماء لإنقاذ العالم”. فالعالم بحاجة ماسة

الى بدائل كونية ومواثيق عولمية تؤسس لنظام آخر لا نستطيع أن نطرحه لأننا لا نعلم ماهو؟
ولكن حتما سيرسم الوجود في حقبة نسميها “ما بعد كورونا”.

د. محمد الزّكري
خبير أنثروبولوجي
يقيم في ألمانيا

د. علي الصّديقي
خبير قانوني
يقيم في البحرين

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.