فاعليَّة النَّص الشعري وأطر التدوين

علي لفته سعيد

لا يمكن فصل الأدب عن الحياة وبالضرورة الشعر ، على الأقل بالنسبة للذين يعدّون الثقافة أو القراءة أو الكتابة أو الفنون هي المعادل الموضوعي للحياة، بعد أن تغيّرت الكثير من طرق الفهم والتأويل لمناحي الحياة ذاتها أمام الفعل السياسي أو الاجتماعي أو الاقتصادي أو الديني.. وربما منذ أن بدأت الشعوب تشعر إن ثمة ضغوطاتٍ تزداد شراسةً على واقعها، وإنها اصبحت منهارةً أو إن الواقع لم يعد كما كان في السابق، حين كانت التضحيات مثلا تنم عن شعورٍ بالبطولة، ولذا كان الشعر واحدًا من أسس التحميل لهذا الشعور، وكان إذا قال الشاعر قالت الأمة.


أمام هذه المتغيّرات يردّد الكثير من الأدباء إن حضور الشعر تراجع في الذائقة المجتمعية وأصبح للنخبة فقط.. وما يؤكد قولهم إن الكثير من الشعراء اتجهوا الى فنونٍ أخرى كالرواية مثلا، لأنها تعطي حضورًا وتأثيرًا أكثر في الواجهة الثقافية وحتى السياسية في مواجهة ما يمكن أن يكون مدًّا جديدًا مؤثّرًا في العقل الثقافي.


إن الشعر أو ما يصطلح عليه قصيدة النثر أو أيّة تسميةٍ أخرى، تحتاج الى فعلٍ قادرٍ على الإتيان بكلّ المواد الأولية لصناعة الشعر.. أنه لم يعد وجدانيًا خالصًا أو رثاءً أو حتى وطنيًا، بل هو تعبيرٌ عن الذات تجاه العالم الانتقال من العام الى الخاص .. وهو الأمر الذي جعل من عملية تدوين الشعر لا تتّجه الى خاصيّةٍ واحدةٍ أو الاعتماد على حيثياتٍ محدّدةٍ، بل انطلقت السمات والأساليب والحيثيات نحو آفاقٍ جديدةٍ، لا نقول إنها تبتكر صنعتها وأدواتها أو إن المواد الأولية لهذا النصّ الشعري أو ذاك تختلف من شاعرٍ الى آخر، بقدر ما يمكن التأشير الى إن المواد الأولية واحدةٌ لكن طرق الصناعة/ التدوين تختلف.


إن النصّ النثري نصٌّ متخمٌ بالمتغيّرات مثلما هو دائم الخضرة حتى بالنسبة للشاعر ذاته.. وهنا نقصد الشاعر المبدع والنصّ النثري الذي يجعل المتلقّي يتماهى معه وليس النصّ النثري الذي يزجّ بالخواطر في جسد البياض ليكون نصًّا.
إن النص النثري أو قصيدة النثر أو الشعر يمتلك روحًا وهو المآل الذي تجتمع عنده الذائقة.. ولهذا تحوّرت الأساليب وتنوّعت الطرق.. ما بين نصٍّ يعتمد على حذلقة المفردة والتلاعب بالجملة الشعرية لصنع الدهشة.. أو النصّ الذي يعتمد على تداخل السرد بالشعر لتفعيل العنصر الدرامي في النصّ.. أو النصّ الذي يعتمد على آلية الاندفاع الفلسفي أو الحكمة المغمّسة بدهشة الجملة الشعرية.
ولذا يمكن لنا تحديد أطر وفاعلية هذا النوع الشعري من خلال :


1 – إنه نصٌّ لا يبالي بالشكل الخارجي بقدر ما يريد الانتباه الى عمقه التأويلي.
2- إنه نصٌّ لا يمكن الإمساك بتلابيبه إلّا من خلال مخيّلة شاعرٍ يمتلك الأدوات الأولية لصناعة الشعر داخل النصّ، وليس صناعة النصّ من خلال اللغة.
3 -انه نصٌّ بإمكانه الانتقال بين الأجناس الأدبية بما يمكن أن يمنحه طاقةً كبرى للإمساك باللّذة الشعرية.
4- إنه نصٌّ قائمٌ على وعي الشاعر وليس انفعاله اللحظوي الذي كان متوافرًا في النصّ الشعري الذي سبق قصيدة النثر على اعتبار إن الشعر هو ابن اللحظة الراهنة.
5- إنه نصٌّ لا يميّز بين طريقةٍ وأخرى أو شكلٍ وآخر أو أسلوبٍ محدّد، فمهّمته أن يكون النصّ يحمل غائيته ودهشته ويعطي اللّذة للمتلقّي.
6- انه نصٌّ يمتلك خاصية المناورة ما بين اليومي المعاش أو التأمّلي لما هو كان أو النصّ الرؤيوي المستقبلي الذي يناور في عملية التربّص الفكري بحسب ما يمتلكه الشاعر المبدع.
7- إنه نصٌّ الفكرة التي تبيّن زمن الكتابة وواقعه وبيئته وما حصل من تقدّم أو تراجع في المجتمع الذي يمثله الشاعر.. سواء كان هذا النصّ يحمل همّ الحروب أو اندفاع الفنون أو فسحة الحياة المليئة بالفرح أو العكس.. بمعنى إنه نصّ الزمن البيئي في لحظة التدوين.
8 – إنه نصٌّ يمتلك المناورة حتى في الأساليب المختلفة والتي يمكن أن يحتويها النصّ الواحد، حيث بإمكانه أن يدوّن بطريقة القصّة أو المسرح أو الغناء أو الحوار، ويكون فيه السرد علامة من علامات الشكل.
9 – إنه نصٌّ يمنح العديد من التأويلات مثلما يمنح العديد من مفاتيح فهم العلامات الدالة على معنى المفردة الواحدة داخل النص.

اضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *