عن الرواية الطويلة والرواية القصيرة

عن الرواية الطويلة والرواية القصيرة

بقلم: د. برهان شاوي

كثيرا ما يدور الحديث عن حجم الروايات وعدد صفحاتها، وبأن العصر عصر السرعة ويحتاج إلى روايات قصيرة وتقرأ في ساعات. والغريب أن معظم تلك الدعوات تأتي من قرّاء يعيشون في بلدان زمنها بطيء وممل وخامل، وليس من القراء في البلدان التي ايقاعها لاهث وسريع فعلا.

لنأخذ مثلا من المعاصرين بول أوستر الأميركي ورئيس رابطة القلم العالمية. لقد اشتهر اوستر من خلال ثلاثيته المسماة (ثلاثية نيويورك)، وهي ثلاث روايات قصيرة، عادة تصدر في كتاب واحد، حتى في اللغة العربية.

بول اوستر يعيش في نيويورك، وفي قلب مانهاتن البقعة التي تعبر عن لهاث لحظتنا الحضارية وسرعتها على سطح الأرض، لكنه أصدر آخر رواية له وقد تجاوزت 1200 صفحة. ولم يفكر أحد قط من قراء نيويورك والعالم المتحضر بأن عليه أن يكتب رواية سندوتش تقرأ في ساعة لأننا في عصر السرعة!!!

في الطرف الآخر من نيويورك، وفي اليابان، أصدر هاروكي موراكامي روايته 1Q84 في ثلاثة مجلدات ضخمة، ولم يقل له أحد في اليابان ذات الايقاع السريع في الحياة لماذا كتب رواية طويلة في ثلاثة مجلدات؟.

بل دور النشر العالمية ما زالت تعيد طباعة روايات تولستوي ودستويفسكي وتوماس مان ذات المجلدات المتعددة، ولم يؤثر حجم رواياتهم على انتشارهم بين القراء، بل على العكس تظهر سنويا ترجمات جديدة لتلك الروايات.

لا أحد من كتّاب العالم يضع لنفسه شرطا بأن تكون روايته قصيرة أو طويلة، وانما هو يعيش مع شخصياته ومع سير أحداث الرواية وهي تاتي إلى نهايتها وفق المنطق الإبداعي، حيث يصل إلى نقطة لا يمكنه إضافة أية كلمة أخرى.

ولنأخذ الكاتب الألماني هيرمان هيسه مثالا إضافيا، فقد كتب روايته “لعبة الكريات الزجاجية” الضخمة التي نال عليها جائزة نوبل، مثلما كتب “سيد هارتا” القصيرة جدا،بل التي تكاد تكون قصة طويلة وليست رواية، لكنها لا تقل عن روايته النوبلية قيمة إبداعية قط، ولم يفكر هيسه في حجم روايتيه قط.

طول الرواية وقصرها لا علاقة له بالقيمة الإبداعية للرواية، فقد تكون بحدود 1500 صفحة كما الأخوة كارمازوف، وقد تكون كما روايات نجيب محفوظ القصيرة التي لا تتجاوز 120 صفحة، لكن هذه الروايات تحتفظ بقيمتها الإبداعية، والعكس صحيح.

القارئ الحقيقي لا يتوقف عند حجم الرواية

أذكر أنني قبل ربع قرن تقريبا قرأت رواية قصيرة جدًا في حدود 90 صفحة لكاتب هندي أشعر أنها لا تزال حاضرة في ذهني، عن رجل يجتاز صيفا مشيا على الأقدام صحراء بين مدينتين، ويكاد يموت في الطريق ويرى الكواسر تحوم فوق رأسه…منذ ربع قرن وتلك الرواية حاضرة في ذهني، مثل روايات دستويفسكي وتولستوي وستندال التي كلها تتجاوز مئات الصفحات.

الرواية وجبة جمالية وليست أكلة سريعة عالماشي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *