سيادة الدولة لا أكثر “عن يد وهم صاغرون”!

خرجت لتناول البيتزا مع صديقي المهاجر في مدينة كتبس الألمانية ثم تطرق صديقي إلى سؤال:
كيف يتسنى لنا كمهاجرين أن نخوض علاقة إندماجية وتكاملية سويّة مع أهل الكتاب من أهل أوروبا اذا كان

القرآن العظيم يذكر لنا أن علينا تحصيل الجزية من أهل الكتاب وهم صاغرون؟

قلت له: أولا دعنا نفهم معنى مفردة “صاغر” لغة. فقد ورد في قواميس اللغة ان من معاني صاغر
“الانقياد والطاعة” . هكذا يكون معنى الآية دفع مبلغ ضريبي للدولة التي تقيم فيها (ليس لك أنت) وذلك في

سياق الإنقياد لسيادة القانون العام والأعراف الحاكمة وطاعتها.

ثم ثانيا علينا أن نتذكر أن سورة التوبة من أواخر السور في زمن الرسول ص. ففي ذلك الزمن نضجت وتطورت مؤسسات الدولة ونضج معها مؤسسة تحصيل الضرائب والصدقات والزكوات. وأصبح للدولة طاقم

تفتيشي موكل اليه مهمة تحصيل الزكاة والجزية من كافة رعايا الدولة بغض النظر عن دياناتهم.


الذي حصل أن بعض الناس لم يكونوا متقبلين لفكرة انتهاء النظام القبلي وبزوغ سيادة لدولة النبوة لتحل محلها. فقاموا بحركة عصيانية ورفضوا الإذعان لقرارات الدولة المتعلقة بدفع رسوم الضرائب. فأتى القرآن

ليجيز تطوير حرس مخصص لتحصيل الرسوم بالقوة إذا ادعى الأمر من الرافضين لدفعها.


فالصّاغريّة في الآية الكريمة تعني الانقياد والطاعة من قبل كافة رعايا الدولة لقوانين وشرائع الدولة. ومن أنه

يحق للدولة من بسط سيادتها وفرض قوانينها على الجميع لتحقيق الصالح العام. وفي هذا السياق نزلت الآية الكريمة

“…الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّىٰ يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ (29)” التوبة


ومن ثم قلت له: ومن قال لك ان الصّاغريّة اي الخنوع لسيادة الدولة اقتصرت على غير المسلم ولم تفرض و تشمل المسلم؟ ثم واصلت قائلا:وهل تعتقد أن المسلم حينها اذا امتنع عن دفع الزكاة لن يتعرض لعقوبات

جزائية؟ فهناك آيات وتاريخ يتطرق إلى ذكر قضايا تتعلق بالعقوبات الجزائية ضد رافضي دفع الزكاة من أتباع الديانة الإسلامية. خذ مثلا هذه الآية الكريمة من سورة الحجرات:

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَىٰ مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ (6)

فقد نزلت في قضية تحصيل رسوم ضريبية من جماعة مسلمة. وقد قال زورا مدير تحصيل الضرائب الذي نزلت فيه الآية حينها أن جماعة مسلمة امتنعت عن دفع الضريبة و كانت الدولة في طور بعث فرقة حرس

تحصيل الرسوم لإتخاذ إجراءات صارمة بحقهم لولا أن الدولة رصدت فساد مدير الضرائب فتداركت القضية وعاقبته.
حينها قاطعني سريعا صديقي المهاجر قائلا: آه لقد فهمت كل الموضوع.

قلت له جميل أن ينقشع عن ذهنك أمر مهم وحساس كهذا وعلينا أن نضع في نصب أعيننا ان مصلحة تحصيل الضرائب في ألمانيا تجني نصيب ماليا معلوما من دخل كل مقيم وكل مواطن بدون تفرقة. الكل يدفع

(أنا وأنت وهو وهية) وهو صاغرا لسيادة القانون. اي لا يملك سوى الانقياد والطاعة للقوانين ودفع رسوم

الضرائب. وإن لا يدفع يعرض نفسه لمسائلات قانونية تصل الى غرامة أو و عقوبة. أيضا احب ان اخبرك ان

مقدار الجزية قديما كانت اقل من مقدار رسوم الزكاة.
وواصلنا تناول البيتزة بشهية بعد أن انقشع عن صديقي ملتبسه.

احصل على تحديثات في الوقت الفعلي مباشرة على جهازك ، اشترك الآن.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد

سياسة الخصوصية وملفات تعريف الارتباط