الفرق بين الثقافة الفيسبوكية الافتراضية و بين الثقافة الواقعية

يبدو أنّ امتهان الثقافة أصبح وسيلة جيدة للفت الانتباه وجعل الأضواء موجهة إلى أولئك الذين فشلوا على أرض الواقع في النجاح بمهنة محددة أياً كانت، أو ربما كانت أعمالهم اليومية بمرتبة أقل من تلك التي ترضي الرأي العام وتجلب تصفيق الجماهير، أولئك الذين عاشوا دائماً حياةً رتيبة، حياة عادية في الظل، أو بتعبير أدبي، على الهامش، فقرروا جعل القراءة لا غايةً في ذاتها بل وسيلة، وجعل المعرفة لا درباً صعباً غير منتهٍ، بل مجموعة من الاقتباسات العلمية و المقولات المتناثرة هنا وهناك لعلماء وصلوا مرتبة العلم بالكدّ و الصبر.

قَلبَتْ مواقع الإنترنت حياتنا كلياً، وللأسف، دونما عودة. جرّب أن تشاهد فيلماً قديماً، كيف كانت أوقات الفراغ تُملأ بالسينما والصحف والكتب، حتى ولو كانت جرائد البعث الوطنية ذات الورق الأصفر و العناوين المُسيّسة، أو ربما ببعض مجلات استهلاكية من تلك التي تستعرض آخر صيحات الأزياء و وسائل فعّالة لجعل الحبيب يركض إليكِ ياعزيزتي ملوّع القلب لاهثاً كالكلب.

حينما أشاهد مجموعة من الشبّان والشابّات، وقد اختلقوا لأنفسهم جوّاً لقراءة بعض الكتب التافهة و الروايات المُستهلِكة للعقل والمستنزفة للوقت والمشاعر، وقد تجمّعوا كالمشردين في مكان أثري، كالتكية السليمانية أو المتحف الوطني في دمشق، عندها أفكر بيني وبين نفسي، ما نفع انتقاد حركات شبابية مدعية للمعرفة والثقافة كهذه؟ مازالت محاولات كهذه لا تضرّ مثلما أنّها لا تنفع، على الأقل في الوقت الحالي..

جميعنا بدأنا بدايات تافهة تماماً كهذه، مع كتب أكثر تفاهة! كلامي هذا ليس دليلاً على تواضع غير معتاد، ولا محاولة للظهور بمظهر القبول للآخر أياً كان، لأنني وللحقيقة لا زلت لا أقبل نفسي حتى أقبل الآخر..! أؤمن أن النفس تستحق التوبيخ و التأنيب إلى درجة ما، حتى يتمّ صقلها مرةً بعد مرّة. لكن ما يدعو للاستغراب، هو حجم الثقة بالنفس التي ألاحظها في عرضهم لأفكارهم، في نقاشاتهم “الساخنة” والتي يستذئب كلّ منهم فيها عند إفراغ جعبته من الموروثات المدعمة بكتابٍ كان قد اطّلع عليه مؤخراً، هنا، أنا لا أعترض حقيقةً على الفكرة التي يناقشها أحدهم مهما بلغت من السفاهة أحياناً، لكنني أتعجب فقط من حجم الاندفاع والثقة العمياء و الغرور غير المبرر! أدرك، أن الإنسان مهما قرأ، لازال يتوجب عليه التفكير مراراً وتكراراً قبل أن يُقحم نفسه في نقاش ما، وإن كان لابدّ من ذلك، فعلى الأقل أن يناقش فيما يعلمه دون ادّعاءات لا ضرورة لها، فحبل الكذب كما يُقال قصير.

في كلّ مرة شعرت فيها بأن موقفاً ما في أي مكان أو مجال، سيدفعني للكذب، أو كان قد دفعني للكذب ، وحصل ما حصل، هربت… كنت أنسحب دون أن أترك كلاماً حتى، وهذا ما جعلني أهرب في أغلب المرات التي تعاملت بها مع الناس، يبدو أن الحياة باتت تتطلّب احتراف الكذب، وليس فقط التعامل به، فالمقابل سيبدأ بالتصنيف و التفكير اعتماداً على مخيلته دون مراعاة أن بعض الأمور لا تُحكى ولا تخضع للنقاش، وأنه بذلك سيدفعك للكذب أو للهرب، وستختار ياعزيزي إن كنت أحمقاً، الحل الثاني طبعاً.

ولأن الأمور بلغت هذا الحدّ من احتراف النفاق وامتهان القراءة لأجل كلّ شيء عدا القراءة بحد ذاتها، فليس من حقّنا التعجب من تلك الثقة لبعض القراء و من ذلك التصفيق الجماهيري على مواقع التواصل الافتراضية، الذي بات يبتلع الواقع أيضاً، وللأسف أنّه يصمّ العقول قبل الآذان ويعمي الأبصار عن القلة من أولئك الأشخاص العاديين، الذين لم يلتفتوا كثيراً لدور البطولة في ماراثون القراءة الذي يقيمه أحد (البوكتيوبرز) ،ولم يلتفتوا كثيراً لكتابة نص عن التنمية البشرية أو رواية عن المشاعر “المشرشحة”، أو عشرة أسطر من الشعر (العامّي) الذي ليس سوى ثرثرة مقترنة بقافية عشوائية.

العاديون الذين كرهوا العالم الافتراضي فاعتزلوه، وكانوا قد كرهوا الواقع قبل ذلك، فاعتزلوه أيضاً، وكلما عادوا إلى أيّ منهما، تلاشوا وتلاشت ذواتهم في زحام الصخب و التزييف و التأليف ذو الحبكة الممتازة لكلّ سيناريوهات النفاق المتناثرة هنا وهناك.

نحن لا نقرأ بنهم، نحن نقرأ بتأنٍ و حب، لا نقرأ لتجميع بعض المعجبين، أو تكوين مكتبة في يوم ونصف! ، لا نكتب ظناً منّا أن فارس الأحلام ستقع عينه على نص رديء كتبناه، فيأتي على حصانه الأبيض الخياليّ، ليأخذنا إلى رواية رومانسية مبتذلة ببعض السطور الإيروتيكية،تلك الرواية التي سينسجها كلّها في ليلة واحدة ضمن محادثة فيسبوكية تخضع لقانون التقاط صورة الشاشة والتشهير و استعراض البطولات.

نحن نكتب لأن الكتابة وسيلة تفريغ ليست إلا، ونقرأ لأننا وحيدون للغاية ولأننا أدركنا في طفولتنا البريئة أن الكتب خيرٌ من البشر ولأنها تستحق الحب دونما ندم، ولأننا لا زلنا نظنّ أنها الملجأ الوحيد الذي لا يمكنك أن تخلو إليه مع شخص أو مجموعة من الأشخاص في طقس مشترك من طقوسهم المزيّفة المليئة بال”السيلفي”.

كان ينقصنا في بداياتنا، من يمسك بيدنا، في طريقنا نحو تمييز الكتاب الجيد من الرديء، لكننا فعلنا ذلك بأنفسنا، وبصمت.. و رغم أننا لازلنا نعتزل الناس لنخلو إلى أنفسنا و نفعل ما نحب دون رغبة في الحديث عنه، إلا أننا في كل مرة نقرر فيها كسر الروتين و تجاوز مرحلة ملؤها الملل أو القلق بفتح حساب جديد على موقع تواصل ما، نكون أشبه بذلك الذي يتشبّث بصخرة في أعلى الشلال، ينعشه الماء المتدفق من حوله طوال الوقت، لكنّه ما إن يبعد أصابعه المتشابكة حول الصخرة عن بعضها البعض، حتى يبتلعه الماء ويجرفه الشلال نحو الأسفل.

وصف غير موفق.. ربما.. لكن الأمر يستحق السخرية أكثر من كونه يتطلب توصيفاً أو سرداً. لا زلنا نتلاشى.. ولا زالت المحاولات عبثية، رغم استمرارنا-العبثيّ أيضاً- بها.

احصل على تحديثات في الوقت الفعلي مباشرة على جهازك ، اشترك الآن.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.