الجارية التي أدارت الأندلس.. صبح البشكنجية

ظهرت الجارية صبح البشكنجية في بلاط الخلافة في أوائل عهد الخليفة الحكم المستنصر بالله، وليس هناك ما يعرف عن نشأتها وحياتها الأولى، وقد شغف بها الحكم وحظيت عنده واستأثرت لديه بالنفوذ والرأي، خاصة بعدما أنجبت له ابنه الأول عبد الرحمن عام 351 هـ

ظهرت الجارية صبح البشكنجية في بلاط الخلافة في أوائل عهد الخليفة الحكم المستنصر بالله، وليس هناك ما يعرف عن نشأتها وحياتها الأولى، وقد شغف بها الحكم وحظيت عنده واستأثرت لديه بالنفوذ والرأي، خاصة بعدما أنجبت له ابنه الأول عبد الرحمن عام 351 هـ. كانت كلمة صبح مسموعة في تعيين الوزراء ورجال الدولة والبطانة وأغلب شؤون الدولة. وكان لصبح الدور الأكبر في تقديم محمد بن أبي عامر وتنصيبه في مهام كبيرة بعد إعجابها بذكائه ومواهبه .

تولى الناصر ومن بعد ابنه الأكبر الحَكَم المستنصر عام 961 وكان عمره يومئذ 48 سنة. ولم يكن الحَكَم حديث عهدٍ بشؤون الملك والحكم، فقد مارسها في حياة أبيه، بل كثيراً ما ندبه الناصر لمباشرة المهام والشؤون الخطيرة، لذا كان خليفةً حكيماً، واشتهر الحَكَم بحبه وولعه بالعلوم والآداب وتقديره الشديد للعلماء، ولم يعطِّله ذلك عن مواجهة الممالك الإسبانية، فقد تعددت غزواته على ممالك وقلاع ومدن الإسبان. 

بعد وفاة الحكم، لم تمض أيام حتى أصدر الخليفة الجديد مرسومًا بتعيين جعفر المصحفي حاجبًا وترقية ابن أبي عامر لرتبة الوزارة. توطّدت العلاقات بين صبح وابن أبي عامر، حتى أصبحت فضيحة تناقلتها الألسنة، ودارت حولها الأناشيد والأشعار الشعبية. مكّنت صبح محمد بن أبي عامر من تولي كل سلطة وكل أمر، مما ساعد ابن أبي عامر على إزاحة منافسيه على السلطة الواحد تلو الآخر.ثم نهج ابن أبي عامر الذي غدا بعد ذلك أن أصبح حاجب الخلافة بعد أن أزاح الحاجب جعفر المصحفي، نهجًا جديدًا بأن حجر على الخليفة الصبي ولم يسمح لأحد بمخالطته، بل وإن خرج من القصر ألبسه بُرنسًا فلا يُعرف، وأحاطه بالجند ليمنع العامة من الوصول إليه، ثم أقام سورًا وخندقًا حول قصر الخلافة، ليحكم حجره على الخليفة.

ومع تلك التطورات، أدركت صبح خطورة الأحداث على عرش ولدها، غير أنه بعد أن تمكن الحاجب المنصور من كل السلطات، لم يعد في قدرة صبح مواجهته مواجهة مباشرة، فأشاعت بين العامة أن المنصور يسجن الخليفة ويحكم رغمًا عنه ويغتصب سلطته. ثم ألّبت عليه القائد الغالب من جهة، ثم راسلت زيري بن عطية حاكم المغرب الأقصى لنصرة ولدها، وأرسلت أموالا اليه ليجهز جيشه ويعبر إلى الأندلس. فطن المنصور لذلك، فلجأ أولاً إلى رفع يدها عن أموال خزائن القصر الخليفي التي كانت تقوم بتهريبها بواسطة فتيانها، فأرسل ابن أبي عامر ابنه عبد الملك بقوة وجمع من العلماء والوزراء إلى قصر الخلافة بقرطبة، وخاطب الخليفة هشام في أمر الأموال التي تهربها والدته، وطلب أن تنقل كل الأموال من قصر الزهراء إلى قصر الزاهرة.

وبعد أن فشلت محاولات صبح البشكنجية في استرجاع ملك ابنها الأموي والتغلب على سطوة الحاجب المنصور، اعتزلت ورضخت للمصير الذي آل إليه ولدها بعد أن ساهمت في صنع ذلك المصير، وتوفيت السيدة صبح أم المؤيد هشام قبيل وفاة المنصور وكان ذلك في حوالي سنة 390 هـ.

احصل على تحديثات في الوقت الفعلي مباشرة على جهازك ، اشترك الآن.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد