حفرية المرئي واللامرئي في تشعير بنية النص

قراءة في مجموعة “أهز النسيان ” للشاعر باسم فرات

هشام القيسي

في تداعيات أسفاره وكينونة محطاته تأتي مجموعة “أهز النسيان ” للشاعر باسم فرات كإقرار لمهيمنات تتمدد في استيلاد صورها الشعرية وبوح لاهب تحصنه اسقاطات تبرق الإيغال في الذات وفي جمرات مرموزة وفق مغمورات وإرساليات تقود إلى جانب مما تقود إليه وتحديدا الموشور الرومانسي الذي يموسق مدلولاته في زمن مفتوح يبقى معناه الرمزي طليقا ، فالشعر لدى باسم فرات روح وكشف مثلما هو رؤيا وإشهار عاطر :” دونت آخر النساء في أحلامي ولم تكتمل القصيدة “

الشاعر باسم فرات

فالتدوين وعدم اكتمال القصيدة كناية عن مساحة حياتية مفتوحة مستقبلة لمتغير خارق بنمطه اللاهب يفيض بما يحمله وله صيرورة لازمة تتسق وخطواته ، ولهذا فلتشظيات الحب في قصائده سحرية وعذوبة تجعل من الصورة الشعرية دالة تتجانس فيها معطيات المعنى والمبنى بتوهج يثري النسيج الشعري وبترددات تعين الشاعر على تشعير الرؤيا بقصدية التمدد وحفرية وصيرورة مشاغله الشعرية في الزمان : “تتمدد أيامها على أحلام الشاعر عبقها ساحل للعراة صلاتها غواية للسماء”.

فالأيام والعبق والصلاة مقاربات لمفردات تشكل فتوحات متتالية متصلة تستولد الاستمرارية وترصن النسق الشعري ومشهديته .
اذن يغدو وجدان الشاعر الشعري وتدويناته الدالة والمرموزة غنيا وجامحا على مدار قصائد المجموعة وبانشغالات تقرن العشق بتحولات الأفق عبر اشتباك وتشاكل وارساب من خلال التشظي والتأمل :

“أضيئي بصوتك أيامي
وابعدي اليتم عن طفولتي
بهمسك أزيحي روائح البارود
وعن أيامي أطردي الفقد
أنت المتوجة بهيامي”
وحيث يرنو تحت يقظة تستثير وتنحاز إلى رؤى تدعم ملامح ذائقته الشعرية وطاقاتها المحتشدة بألوان المخزون الداخلي ودلالاته المنبسطة نراه في هذا المعادل يمكن المتلقي من قياس مديات التخيل وطبقات الذات الحميمة كينبوع مشعرن وبالتالي استقبال الإرسال الشعري بإستثمار ذاتي منساب وطليق :

“في عينيك
الفرح طفل يلهو
تنمو عطور وأغنيات
لا حيلة للشاعر
إلا بحمل قلبه نايا
يعزف هذا الوجد”

غلاف “أهز النسيان”

وتبقى “هي” مادة شعرية تولد كتابة متعددة الثيمات يحرص في إرسالياته عنها إلى صياغة نص يكون ضخه استعادة لإنفتاح تأملي في ظل ذات شاعر مغنطتها بؤر دفينة اختزنت تلاويح أزمانه وأوجاعه وانثيالات ذاته وفق معادل يشحن افقه الشعري وسطوة موضوعاته :

“عند ساحل يتكئ على وحدته
صرخت على ذكرياتي أن تكف عن العويل
ولتفكيري بك منحت الوقت كله
أنت التي يغرد شالك
حين يرى أنفاسي تتكسر أمام نظراتك “

وهكذا نجد أن لحظاته الشعرية وتفجراتها استجابت بفاعلية لمضامين هيامه ورؤاه فقد تدفقت عبر اشتغالات لصالح إملاءات المخيلة التي تتناغم وتتفاعل فيها التوترات وبالتالي تسخيرها لترصين النص :

” أتطفل على ماضيَ
ماء النار يسقي حياتي
لكنني أكابر : عاشق تناثرت أيامه بعبق عطرها “

وللمكان بصمة منحت الشاعر تدفقات إنعكاسية تداخلت فيها تراكمات على مستويات متعددة متقاطعة بين سكينة وقلق ، بين إملاء داخلي وتوجه دلالي ، بين تمرد وجداني يؤجج ونص شعري متوج وفق دوال ومرموزات حفرت في نصوصه الشعرية وأثثت مشهدياتها حسب مواقعها من هرم الحال ومناطقها الحسية وطبقاتها .
من هنا كانت عنونات بعض قصائد مجموعته معبرة عن الأثر في أوقات السفر وتبطين اسقاطات الرموز كأمازون ، خيبة جلجامش ، أذينة بن خيران ، غواغوا بيتشينتشا ، إضافة إلى المرجعيات المكانية كإلهام عاكس مثل كيتو ، الخرطوم ، إبارا ،نلسن ، البحرين ، قطر … الخ ، وبهذا فأن إيقاعات البنية المكانية وإنسيابياتها قد رشحت وخصبت حالاته في استكناه مدلولاته بوهج جمالي ونفسي وإثراء يستند عليه خطابه الشعري التأملي ومروياته عبر إرتحال حاضن للرؤيا بابعادها المتعددة :

” لم أنم ليلتي
كان الموت يطل على أنفاسي
تشبثت بقلوب الأصدقاء ورسائل أمي
فأطلت الحياة شامخة على امتداد عمري ”

“منحوا السواحل انتظاراتهم والتحفوا بالأمازون
عاندوا الوقت فكانوا ترتيلة لمعابد مردوخ
أنينهم ينبع في صدري
ويمزق سطوة الموج
في الأقاصي
حيث وحدتي
تتجول بلا رقيب”

وتأسيسا على ذلك فان تداخل المرئي في اللامرئي واللامرئي في المرئي أنتج صورا حسية تجاورت فيها تدفقات الروح وتراكماتها المتلازمة مع مستويات عزف الشاعر .
ان المتأمل لفضاءات الشاعر باسم فرات ولعوالمه يلمس فرادة شعرية مائزة في تشاكلها على المستويات البصرية والجمالية والدلالية التي تفيض كشفا واكتشافا ، فهل حان القطاف كما تساءل الشاعر ؟
نبض المجموعة يخالفه ولا يأتلف معه .

الهوامش :

( 1 ) قصيدة لم تكتمل ص5
( 2 ) قصيدة امرأة ص 16
( 3 ) فعل أمر أبيض ص26
( 4 ) المعجزة الأولى ص32
( 5 ) في يده سراج وفي قلبه عويل ص42
( 6 ) مقاطع ص 51
( 7 ) الصعود إلى غواغوا بتشينتشا ص 59
( 8 ) جلجامش يعبر الأنديز ص61

تعليق واحد

اضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *