تونس والزيتونة .. رحلة في ربوع ليل الصبّ

تونس والزيتونة .. رحلة في ربوع ليل الصبّ










تونس والزيتونة .. رحلة في ربوع ليل الصبّ
إعداد: باسم فرات

كثيرة هي البلدان التي أود زيارتها، لكن الظروف تؤجل بلدًا وتُقَدّم آخر، وتونس التي ارتبطت في ذهنيتنا بالخضرة فلا تُذكر إلّا وتليها صفة الخضراء، كانت قد نادتني حسب خطاب المتصوفة والمؤمنين حين يعللون زيارتهم إلى مكان ما؛ حين قررت زيارة هذا البلد الصغير بمساحته، الكبير بتاريخه، فإني من الذين استوطنتهم قصيدة شهيرة لأحد أشهر من أنجبتهم تونس، ألا وهو أبو الحسن علي بن عبد الغني الحُصْري القيرواني (420 – 488 ه/ 1029 – 1095م.) فمَن مِنّا لم يردد:
يا ليل الصبّ متى غَدُهُ أَقيام الساعةِ موعدُهُ
أتذكر حين كنت في المتوسطة (الصف الثامن) سألت مُدرس اللغة العربية عن جملة “يا ليل الصبّ” في مطلع هذه القصيدة التي تُعدّ إحدى أشهر قصائد اللغة العربية، هل بالفتح أم بالضم، فأخبرني أن ثلاث قراءات لهذه الجملة، وشرح ذلك يطول وهو ليس موضوعنا هنا، وكان صاحب هذه القصيدة التي غنتها فيروز، له خال شاعر وأديب، توفي قبل ولادة مَعري القيروان بحدود سبع سنوات؛ إنه أبو إسحاق إبراهيم بن علي بن تميم الحَصْري الأنصاري القيرواني (ت 413ه/ 1023م.) صاحب كتاب “زهر الآداب وثمر الألباب” و “جمع الجواهر في الملح والنوادر” و”المصون في سرّ الهوى المكنون” والمرجّح أن ابن حزم الأندلسي في كتابه “طوق الحمامة” قد تأثر به. ولكن “طوق الحمامة” أكثر شهرة.
تستحق تونس أن تمنح اسمها القديم “إفريقية” إلى القارة السمراء، فقد أنجبت عديد العلماء والشعراء والأدباء، بل هي حاضرة من حواضر الثقافة العربية بحق؛ ويُحسن بنا ونحن نتحدث عن تونس، أن نذكر “ابن رشيق القيرواني” هذا الذي ولد بالمسيلة المحمدية قرب قسنطينة، في عام 390 ه الموافق لعام 1000 ميلادية، ولكنه ارتحل إلى القيروان في الخامسة عشرة أو السادسة عشرة من عمره لينكب على الدرس والمعرفة فَتَتَلمَذَ على القزّاز النحوي وإبراهيم الحصري والأديب الخشني. وابن رشيق كان وفيًّا للقيروان فقد ألّفَ كتابًا في شعراء تونس بعنوان “أنموذج الزمان في شعراء القيروان” ولكن يبقى كتابه “العمدة في محاسن الشعر وآدابه” علامة فارقة في الثقافة العربية، وهو كتاب في النّقد لا يقلّ شأنًا عن كتب النقد المتقدمّة عنه في الظهور مثل طبقات فحول الشعراء لابن سلاّم والشعر والشعراء لابن قتيبة ونقد الشعر لقدامة بن جعفر.

إن ذُكرتْ تونس فلا بدّ من ذكر ابن خلدون، المولود فيها عام 1332 ميلادية، والمتوفي في القاهرة سنة 1406 ميلادية، هذا الفقيه القاضي المؤرخ ومؤسس علمَيْ الاجتماع والإناسة (الأنثروبولوجي) سليل حِجر بن عدي الكِندي الذي وَفِدَ على رسول الله (ص) وأعلن إسلامه واشترك في معركة القادسية، وكان مواليًا للإمام علي بن أبي طالب وأحد أبرز قادته؛ ينتصب تمثال ابن خلدون في شارع الحبيب بو رقيبة قبل الولوج إلى تونس العتيقة، وهو من أوائل مَن كتبوا سيرتهم الذاتية، وفيها يقول: “أصلنا من حضرموت، من عرب اليمن، عبر وائل بن حجر المعروف أيضًا باسم حجر بن عدي، من أفضل العرب، المعروفين والمحترمين”.

السياب وعلي الدوعاجي
ولد الشاعر والقاص بل “أبو القصة التونسية” علي الدوعاجي عامَ 1909 ميلادية، وتوفي سنةَ 1949 ميلادية، بمرض السل، والسياب كما هو معروف ولد عامَ 1926 وتوفي سنةَ 1964 ميلادية، بذات المرض، كلاهما يُعدّ رائدًا وغزيرًا في إنتاجه، وكلاهما عانى اليتم المبكر، سوى أن السياب أكمل دراسته الجامعية بينما لم يكمل علي الدوعاجي الابتدائية، وكان يعمل في متجر نسيج، استطاع أن ينحت نفسه في الصخر، ونهل من الثقافة العربية والفرنسية والإنجليزية، هذا الفتى الذي يعود إلى أسرة ذات أصول تركية وصلت تونس العاصمة سنةَ 1575 ميلادية، كتب الشعر والقصة والمسرح والمقالات، ويُعدُّ كتابه “جولة بين حانات البحر المتوسط” جواز مرور وشهرة له في تونس والعالم العربي. وهو من مؤسسي أهم جماعة أدبية “جماعة تحت السور” نسبة إلى أحد المقاهي الشعبية، وقد ضمت خيرة الكتاب والفنانين والمبدعين عامة، منهم الشاعر أبو القاسم الشابي.
في العام ذاته، أي عامَ 1909 ميلادية، ولد الشاعر أبو القاسم الشابي، ومات عن عمر أربعة وعشرين عامًا وسبعة أشهر وثلاثة عشر يومًا، ليترك لنا واحدة من أشهر القصائد العربية، ألا وهي:
إذا الشعب يومًا أراد الحياة فلا بدّ للّيل أن ينجلي
وأبو القاسم الشابي، شاعر أَحَبَّهُ كثيرًا أستاذي وشيخي محمد زمان، هذا الشاعر الذي منح كثيرًا من وقته لشعراء وأدباء وفناني مدينتي، والذي أتمنى أن يطيل الله في عمره ويمتعه بالصحة والسلامة؛ فقد أعارني الأعمال الكاملة لعدد من الشعراء العرب طبعة دار العودة، ومن ضمنها ديوان الشابي، وكان يتكلم عن الشابي بمحبة وإعجاب. ومن المفارقات أن مرض الشابي لم يُشخص تمامًا، فقد قرأت أنه مات بالسل أيضًا أي مثل صنويْه مواطنه علي الدوعاجي ورائد الحداثة الشعرية العربية بدر شاكر السياب.
وفي أفضل 100 رواية عربية كانت لتونس حصتها فقد اختيرت رواية “حدّث أبو هريرة قال” بوصفها تاسع أفضل رواية عربية وهي للرائد التونسي الكبير محمود المسعدي (28 كانون الثاني/ يناير 1911 – 16 كانون الأول/ ديسمبر 2004م.) هذه تونس الخضراء شعرًا وأدبًا وفنًّا وعلمًا ومحبة، صغر مساحة وسعة إنجاز وإبداع.
الوصول إلى تونس
في فجر السبت الثاني عشر من شهر تشرين الأول/ أكتوبر من عام 2018م. حلقت الطائرة في اتجاه القاهرة، ومنها إلى تونس، وكانت فرصة ثمينة لي أن أرى دلتا النيل ما يقع منها شمال غرب القاهرة، وحين بدأت الطائرة بالهبوط، أصبحت إفريقية تتوضح، إذ إن الاسم القديم لتونس هو إفريقية، منحته للقارة السمراء، بلد ساحلي يُغطيه الجمال، زاده أنني حين وصلت المطار، وضعت شريحة هاتف مع اشتراك في الشبكة العالمية (الأنترنيت) وكتبت رقم هاتفي على الخاص لمجموعة من الأصدقاء أولهم الشاعر يوسف رزوقة، وإذا باتصال هاتفي منه، أخبرني أنه ينتظر هنا منذ نصف ساعة مع ولده إياد، فكان جوابي أنني في الأعلى أنتظر الصديق الأديب محسن الرملي، لأنه من المفروض أن يغادر تونس إلى مدريد.
جاءني يوسف رزوقة وابنه إياد، وبعد دقائق وصل الكاتب محسن الرملي، وكان لقائي الأول بالشاعر والروائي يوسف رزوقة الذي تعرفت إليه شعريًّا منذ أعوام طويلة، وأما محسن الرملي فآخر لقاء بيننا كان في شهر آب/ أغسطس 2013 ميلادية. جمعنا مطار تونس قرطاج الدولي، وقضينا حوالي نصف ساعة معًا، ثم ودعنا محسن الرملي، وتوجهنا إلى سيارة إياد بن يوسف رزوقة، وضعنا حقائبنا في الشقة التي استأجرناها، ومن ثم ذهبنا في جولة مدهشة في أماكن عديدة في تونس، ومن المفارقات أنني لم أشعر بتعب وإرهاق، على الرغم من أنني لم أنم ليلتي السابقة، لكن حميمية يوسف رزوقة وجمال تونس أزالا عني كل تعب.
حرص الشاعر يوسف رزوقة أن يتابعني يوميًّا عبر اتصال هاتفي صباحي يأتيني منه، وكان ابنه إياد حميميًّا وكريمًا مثل أبيه، وقد أخذني إلى سيدي بوسعيد ومن ثَمَّ في جولة إلى المهدية وآثار الجَم، فهذا الأثر الروماني هو الثاني من نوعه في العالم، والأول يقع في روما، وشكله الدائري يضفي هيبة عليه، ومسرحه يُعدّ رابع أكبر المسارح الرومانية في العالم، وزرنا بيت الشاعر وهو مكان يقع في الريف حيث بيوت وبساتين الزيتون التي تعود إلى أسرة الشاعر يوسف رزوقة، وبيت الشاعر أطلقته على المكان الذي يحبذه ويقضي أغلب أوقاته فيه صديقنا رزوقة، هذا الشاعر الذي حافظ على نقاء الريف في داخله، وفي الجولة ذاتها والتي بتنا فيها في بيت الأسرة على ساحل بحر المهدية، زرنا المهدية المدينة وزرنا القيروان وكنا بدأنا رحلتنا بزيارتها وجامع عقبة بن نافع.
كان اليوم الأول لوصولي إلى تونس، اصطحبني الشاعر يوسف رزوقة وابنه، إلى شارع الحبيب بورقيبة، وهو من الشوارع الجميلة، الضاجّة بالحياة والجمال، قطعناه ثم توغلنا إلى البلدة القديمة، التي تبدأ ببوابة المدينة، ثم نافورات مياه، وكأنك تغتسل قبل الدخول إلى “تونس العتيقة” وهي لا تختلف عن المدن العربية القديمة في العراق وسورية ومصر وغيرها من البلدان العربية، في معمارها. كانت الأبواب والشناشيل (الشبابيك ذات الطراز العربي المبني على المربعات) والأزقة الضيقة، من أهم معالم المدينة العتيقة.
واصلنا السير حتى وصلنا جامع الزيتونة، فقمت بالتقاط صور خارجية للجامع الذي يرى التونسيون أنه أول جامعة في العالم الإسلامي، وهو ثاني جامع من حيث الترتيب الزمني، بعد جامع عقبة بن نافع في القيروان. يُرجّح المؤرخون أن حَسّان بن النعمان أمر ببنائه في عام 79 هجرية، وقام عبيد الله بن الحبحاب بإتمام عمارته في عام 116 هجرية، أي عام 736 ميلادية. إن ما استوقفني فيه وفي جامع القيروان، عمارتهما التي لا يمكن أن تكون إلّا ابنة مجتمع حضاري، حتى إنني حين نشرت صورًا لجامع القيروان، كانت التعليقات تؤكد الشبه التام في العمارة مع جامع الكوفة وغيره من الجوامع التي بُنيت في بداية الفتوحات الإسلامية.
لكن الذي جعلني أتأمل الأمر أكثر، كيف لجامع ما أن تمّ بناؤه حتى تحول إلى جامعة أدّت دورًا طليعيًّا ورائدًا في نشر الثقافة العربية الإسلامية في بلاد المغرب، وفي رحابه تأسست أول مدرسة فكرية بإفريقية أشاعت روحًا علميةً صارمةً ومنهجًا حديثًا في تتبع المسائل نقدًا وتمحيصًا؟ هل لبقايا الفينيقيين الذين يقتربون من اللغة العربية والثقافة المشرقية عامة، دورهم المهمّ في هذا الأمر؟ أسئلة تبقى في حاجة إلى التأمل.
جامعة منحتنا “علي بن زياد” وهو مؤسس المدرسة الفكرية، و”أسد بن الفرات” و”الإمام سحنون” الذي رتّبَ المذهب المالكي وقننه، والفقيه المفسّر والمحدّث “محمد بن عرفة التونسي” و”ابن خلدون” و”التيجاني” و”أبو الحسن الشاذلي” و”إبراهيم الرياحي” و”سالم بو حاجب” و”محمد النخلي” و”محمد الطاهر بن عاشور” صاحب تفسير التحرير والتنوير، و”محمد الخضر حسين” شيخ جامع الأزهر و”محمد العزيز جعيط” و”عبد العزيز الثعالبي” وهو من كبار زعماء تونس، عاش في العراق ودرّسَ في جامعة آل البيت ما بين 1925 – 1930 ميلادية، واختاره العراق ممثلًا له في مؤتمر الخلافة الذي عقد في القاهرة عامَ 1926 ميلادية، بدعوة من شيخ الأزهر. فضلًا عن الشاعر “أبي القاسم الشابي” و”الطاهر حداد”.
تعلمت في وطني العراق، أن لبنان صغير بمساحته كبير ما قدمه للثقافة العربية، وهذه حقيقة لا غبار عليها، ويمكنني بلا حذر أن أقول: إن تونس بلد صغير بمساحته كبير بما قدمه للثقافة العربية والإسلامية، بلد لا يطفو على معادن ثمينة بل على آثار، أينما تلتفت فستجد أن الممالك والإمبراطوريات كانت هنا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *