لروحك الورد أيها الحبيب.. تحولات السرد من الواقع الى الأسطورة في رواية “آدم سامي – مور” لعلاء مشذوب

بقلم : حيدر جمعة العابدي

ان عملية التحول في أنماط بناء الرواية الجديدة في العراق صاحبته انتكاسات سياسية و اجتماعية واقتصادية كثيرة ألقت بظلالها على الفعل الثقافي والمعرفي التجديدي ومن ضمنها الرواية ،لذلك عمدنا لكتابة هذه المقدمة لتوضيح ولفت انتباه المتلقي إلى ان الرواية الجديدة في العراق هي نتاج هم ثقافي ونفسي مرتبط بهم وجودي مسكون بسؤال الان ( اليومي) المثقل بالصراعات الدينية الطائفية والتراجعات الثقافية والمعرفية ،وبما ان الفعل الروائي في الكثير منه هو فعل ناتج عن قلق وجودي لذلك فان خصوصية الرواية العراقية ظلت مرتبطة بقدرتها على البحث عن إجابات وحلول لهذا القلق من داخل التاريخ رغم ما يتصف به التاريخ من وجود إشكالي الا انه يشكل بوتقة يمكن من خلالها إعادة إنتاج موروثنا الثقافي والحضاري والتاريخي الفاعل وبالتالي فأن أي عمل روائي جديد سيكون محاولة في خلق وإنتاج واقع روائي مختلف عبر فضائات السرد والعوالم المختلفة للكشف عن مضمرات هذا الواقع بطرق ووسائل مختلفة أكثر من كونها أعمالا بحكم تبعيتها الأدبية مجرد مشاعر وانفعالات وقتية لا علاقة لها بالواقع اليومي المعاش تتغير وتنتهي بتغير الواقع . إن رواية (آدم سامي –مور) للروائي علاء مشذوب الصادرة -2015عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر،هي واحدة من الروايات التي تسعى للبحث عن إجابة لهذا التراجع والانحدار اليومي من خلال السرد

علاء مجذوب


تقوم الرواية في بنائها على أماكن وأحداث ثيمية و أسطورية ولغة رمزية تخيلية لكنها في نفس الوقت ذات نزوع انطولوجي يحاكي واقع مثقل بالأسئلة والألغاز والصراعات النفسية والاجتماعية والثقافية ،لدرجة يصعب معها إيجاد واقع بديل يستطيع أحداث فارق معرفي ديناميكي قادر على فك شفرة التراجع الحضاري الملازم لنا ، لذلك يعود هذا النزوع للارتداد و الانغلاق على ماضي زاخر بمنجز حضاري في أور، وسومر، وأكد،باعتبار ان هذا الماضي هو المنبع الوحيد الخصب الذي يحفظ مخزوننا الثقافي المسكون بهاجس اسطرة للواقع المعاش عبر أيجاد حلول و إجابات دينية وتاريخية جاهزة،لذلك عمد المؤلف في روايته على محاولة تكسير هذه الرؤى والحقائق باعتماد رؤية نقدية تذهب لإعادة أنتاج أسطوري حكائي تأويلي يجترح حلولا وإجابات مختلفة عن حقائق سائدة طالما شكلت وعينا وتصوراتنا عن الوجود والكون ابتداء من عنوان الروية ( آدم سامي- مور ) الذي يعود بنا الى لحظة الخلق الأول وأبو البشرية الأول ونبينا الأول (آدم) نزولا الى واقع وتاريخ حافل بالأساطير والإلغاز . تدور أحداث الرواية في فترة الاحتلال البريطاني للعراق حول راع فقير شاءت الصدف ان يجد بعثة تنقيب عن الآثار في منطقة صحراوية في (الناصرية) التي كانت في يوم من الأيام مصدر إشعاع حضاري لا زالت أثاره شاخصة لحد هذه ألحظة ، يلمحه رئيس بعثة للتنقيب عن الآثار (المستر وولي ) جالسا على ربوة مع كلبه فطلب منه العمل معه كمشرف على العمال ثم كمساعد وعلى اثر ذلك يتعرف على أسرار وحقائق مهمة من خلال ما يتم العثور علية من ألواح ورقم طينة قد غيبها الجهل والتخلف المستشري في البلاد ، مما يدفعه ذلك للبحث عن إجابة لأسئلة لم يجد لها اجابة فعلية ترتبط ،بالوجود والخلق لذلك مع كل اكتشاف لموقع اثري يحدث هناك تحول معرفي يزيده شكا وتساؤلا فيما تعلمه أيام الكتاتيب دفعه ذلك الى محاولة يجاد بدائل معرفية وثقافية أخرى من خلال الانفتاح على عوالم المدن الأكثر تحضرا والتي طالما داعبه حلم الوصول لها مثل بغداد والناصرية ،لكن هذا الانفتاح على المدن كان مرهون بدافع البحث عن إجابات ترتبط بما اطلع علية من الألواح السامي -مورية وبما أننا أمام نص ذو بنية أسطورية تبحث عن طبيعة الإنسان الإله او الخالق ؛ فأن جميع هذه الرقم والألواح الطينية استطاعت ان تشكل وتجيب عن هذا السؤال عبر ألواحها المكتشفة والتي تتكلم عن قصة الخلق :(من هو الله وكيف خلق الكون ،ولماذا السومريون القدماء أجدادي كانوا لا يخافوا مثل هذه الأسئلة) وهو ما دفعة لإثبات من ان الإنسان السامي موري هو إنسان ولد حرا ومات حرا ، وهو بذلك صاحب وعي وثقافة حرة لأنه آمن بنفسه فصنع حضارته وآلهته التي تقدم له المشورة والعون في كل شيء ، لكن حين غادرت هذه البعثات بفعل الثورة التي جرت ضد الاستعمار البريطاني في العراق عادة الى قريته البسيطة وهي عودة من التاريخ والأسطورة الى الواقع اي عودة رمزية تعيدنا الى فكرة المخلص التي لا تزال ينتظرها رجال الدين من كل الطوائف فقد استطاع( نذير) التنبؤ بأحداث وقعت مما أضفى عليه ذلك الكرامة والتقديس من أهل القرية التي استشرى فيها الجهل والفقر لذلك فضل اعتزل الواقع والقرية وهو اعتزال له دلالات نفسية ودينية تذكرنا باعتزال الأنبياء والمصلحين الى ان تأتي بعثات جديدة .


توزع السرد على ثلاثة فصول رئيسة يتخللها (15) نصا على شكل ألواح طينية مكتشفة تعود للحضارة السومرية توزعت ما يبن الفصل الأول والثاني وهي نصوص افتراضية وظفها الكاتب كنص موازي (ميتا حكائي ) إي نص يعيد سرد الأحداث بإطار مختلف من داخل النص بواسطة نفس الراوي ،لذلك شكلت هذه النصوص مع بعضها نصا رغم أسطوريته لكنه يمثل واقع وحضارة كانت تزخر بالأبدع والحياة.إن استدعاء الملاحم والأساطير العراقية القديمة بكل رموزها ودلالاتها الى الحياة من جديد هو استدعاء ميثولوجي متخيل اكثر منه حقيقي الهدف منه ؛ ردم هوة الفراغ الثقافي والمعرفي الذي نعيشه اليوم، اي هو إعادة إنتاج ثقافة بمواجهة ثقافة أخرى سائدة تشتغل على نفس الآليات الأسطورية لكن وفق رؤية ،التقديس والتصنيم القاتلة لكل اشكال الحياة فقد بدأت الرواية باستهلال (أيها الإنسان اكتب أسطورتك وامض) اذا هناك تأكيد على تكسير لهذه الصنمية الفكرية من خلال السرد .

التحولات الزمنية


اعتمد الكاتب على التسريد الزمني القائم على التحليل التعاقبي المتزامن مع تسلسل الإحداث باعتماد راوٍ هو نفسه البطل يبدأ الزمن الفعلي للسرد في الفصل الاول (من الرعي الى التنقيب ) أي من زمن بدائي غريزي (الرعي )المرتبط بنمط تاريخي حكائي ساكن وبسيط الى زمن البحث والتفكير(التنقيب) أي زمن ديناميكي متحرك يعج بالتساؤل والتحولات ( عندما جاءت البعثة –البريطانية الامريكية –في أيامها الأولى ) يضعنا الراوي أمام لحظة فعل التحول الثقافي من النمط البدوي (الرعي)الى نمط (المعرفي)اي بين زمنين ما قبل (البدائي) و ما بعد (الحضاري) و( من الاحتلال الى المملكة )في الفصل الثاني و (من التنقيب الى التفسير )الفصل الثالث .يدخلنا الكاتب في تناصات دلالية ورمزية تاريخية واضحة ارتبطت زمنيا بالقصص والحكايات الأولى الدينية والتاريخية ، لذلك نحن أمام زمن ثيمي مثيلوجي يسعى للبحث في عمق المكان وأسرار المكان (العراقي ) المسكون بالأساطير والقصص والحكايات ،لكن هذا البحث مرتبط بأدوات غير أدواتنا البدائية وعقل غير عقل الكتاتيب فهذا التزامن ما بين زمن الخطاب وزمن القصة افرز لنا زمن حكائي مشحون بالتحولات الفكرية والوجودية فمع كل فصل يتغير زمن الخطاب بالتزامن مع أحداث القصة ومع كل اكتشاف او حدث هناك زمن وخطاب مختلف ومع كل بعثة هناك شكل للمعرفة يختلف ،وبالتالي ان فعل التزامن هو فعل مرتبط بفعل لأخر الأكثر وعيا وتطورا.

العقدة

تقوم الرواية على عقدة مركزية متماسكة تتخذ مسارا خطيا واحدا كما يسميها (ابروب) اي حدث ثم أزمة و نهاية نجاح / فشل ، ففي حوار مع المستر أبراهام والبطل (نذير)عن طبيعة الإنسان العراقي وخصوصيته الإبداعية الأولى يقول (كنت حذرا بالإجابة عليه ،على الرغم من أن تلك الاستفهامات كانت تنبع من داخلي أيضا ،ليس المهم ان يعبد الإنسان السومري شخص الملك ربما لانه يملك الإرادة المالية والسياسية ، لكن بتقادم السنين تحول ذلك الإنسان الملك الى اله )وهنا تأكيد على ان الحضارة العراقية لم تكن حضارة لولا قدرة إنسانها على البحث وتجاوز الأزمات من خلال القدرة على الحل لذلك يبدأ السرد بافتتاح وتمهيد (كنت أريد أكبر قدر من الوقت كي أفهم إلام ترمي هذه البعثة) ثم ذروة (ماذا لو كنت قد ولدت غير هذا المكان ،هل سأكون ذلك الراعي البسيط والنكرة) و نهاية وشعور بالعزلة واللاجدوى من الواقع في النهاية الرواية اي العودة الى الذات ولانغلاق .

فعل السرد

توزع فعل السرد بين راوٍ عليم مشارك يتدخل في سير الأحداث ومسرحتها عبر بطل الرواية (نذير) حيث يتم سرد الأحداث بضمير المتكلم مرة وضمير المخاطب مرة أخرى في جميع الفصول تأكيدا على مركزية الراوي البطل في سير الأحداث ، مع بعض السرد الذي يأخذ شكل الحوار(الدايلوج ) في بعض مفاصل الرواية، حوار يكون البطل جزء منها، وهو حوار ثيمي أكثر منه تقليدي فمستر أبراهام ذو الأصول السامية والمستر وولي ذو الأصول البريطانية ونذير ذو الأصول العراقية يشكلون في السرد تنوع ثقافي ومعرفي وحضاري مختلف وكأن الكاتب يعيد لحظة (حوار الحضارات وصراعها ) متخذا من الألواح الطينية مركزا لتلاقح هذه الحضارات ( وعلى ما يبدو إن المستر أبراهام كان يستلذ بتلك الاواح التي تطابق وجهة نظره المادية ،كنت انا بينهم كمن يقرءا العيون ، وقد استشعر ذلك وولي فقال ) استخدام الكاتب تقنية الوصف في السرد بأسلوب التوقف للتعليق على الرقم الطينية او لوصف حدث اكتشف أثناء التنقيب ( كان القصر منيفا تحتوي جدرانه على رسومات جميلة) . اعتمد الكاتب على شخصية حكائية مركزية كما يسميها (بارت) وهو البطل الذي يروي الحكاية ويشكل الأحداث في نفس الوقت وهي شخصية ذات تنوع دلالي لها وجهان احدهما دال يتمثل في انتماء للمكان المحلي (بقرية تل اعبيد) فالبطل في بداية الرواية هو راعٍ فقير تعلم في الكتاتيب يكتنف الغموض طريقة ولادته التي يسردها الأب كانت عن طريق نبوءة من احد شيوخ القرية الذي علل سبب عدم إنجاب أمي بسبب غيبي وقال لها انك ستنجبين طفلا بعد خمس سنوات اسمه (نذير)وبعدها بنت اسمها (منذورة) بعد ان طلب من أمي ان تدخل وحدها لمدة عشر دقائق ( عندما مرت الخمس سنوات كنت أنت من يملأ بيتنا بالصمت ،وربما أنت الطفل الوحيد الذي خرج من بطن أمه دون بكاء ) يتحول بعدها اسم نذير الى منذور يصبح شخصية ذات بعد قداسوي تتذرع لها الناس بالتوسل والكرامة ( لكني لم أكن أعبأ بكل ذلك لأنني لم أكن لأسترشد بشيء ، وقد عشت صراع تلك النبوءة التي جعلتني عرافا )هذا من جانب الشخصية كدال ،اما الشخصية كمدلول اي كمجموع ما يقول ويتصرف البطل في تمثله الثقافي والمعرفي المرتبط بالحضارة( السامي مورية) التي هي جزء من تراث البطل لكن تراث مندثر ومقصي لرفضه كل أشكال العبودية التي نشاء وترعرع فيها ،لذلك يجد الحل في أعادة قراءة حقبة زمنية متأخرة زمنيان لكنها متقدمة فكريا ، فكل الألواح السامي مورية التي يتم اكتشافها تشعره بروح العظمة والشك في جدوى الخنوع والعبودية التي يعيشها إنسان الحاضر وهو عكس ما كان يعيشه الإنسان السامي-موري من قدرة عالية على فعل الخلق والتجديد والأبدع لكن هذا الاكتشاف لا يتم إلا عبر البعثات الأجنبية اي عن طريق الأخر الوافد المختلف والمتقدم ثقافيا وفكريا ، لذلك عمد المؤلف بجعل هذه الألواح بمثابة لأجابه عن أسئلة كونية وجودية تتعلق بالذات الإنسانية لا بالذات العربية فقط، لقد شكلت هذه الألواح جسرا من العلامات والنصوص (ميتا سرد) تدور حول السرد الحكائي كمنافذ للخروج من أزمة واقع متخلف الى واقع أسطوري لكنها في النهاية تحيل الى لآخر المختلف لفك شفرة هذه الألواح إلا الوافد (مستر وولي) البريطاني في الفصل الأول و(مستر أبراهام) في الفصل الثاني وبالتالي نحن أمام بنية سردية تتخذ من الألواح إجابات أسطورية ومن البعثات أدوات للبحث عما ساهمنا باندثاره وقتله وإلغاءه مما أخر دور أنسانا عن فعل الخلق والإبداع يتضح ذلك من خلال فك شفرة اللغة في الوح رقم ( 13) بجوار جلجامش نقتطف منها بعض الفقرات (تبرعمت عن هياكل عظيمة لتكون الشا خص عليها معك نرفض الموت. ليس لانه بيت فنائنا او سر نجاتنا . لكنه الحقيقة الوحيدة الشاهد على استمرارنا .بالحياة نقهر الموت ،وليس بالموت نقهر حيتنا) وعليه فان هذه الألواح الطينة تعتبر احد المكونات الرئيسية التي إنبنت عليها استراتيجة السرد عند المؤلف لتحقيق هدف محدد يسعى الكاتب عن طريقها تكوين رؤية مغايرة عما هو سائد.

محاولة الإجابة

ما تحاول ان تجيب عليه هذه الرواية يرتكز على أهمية فعل الاستكشاف بوصف الاستكشاف فعل تنويري بحثي أبداعي ،لكن هذا الاستكشاف يكاد لا يتوفر على بعد معرفي بحت لأنه مرتبط برؤية ونصوص أسطورية لذلك هو فعل ينزع الى الماضي او المجهول بغية الظفر بما هو مختلف وجديد، فنهايات بطل الرواية نهايات مقطوعة عن سياق تحولها الاستكشافي لان انزواء نذير وعزلته عادت بنا الى نفس لحظة الاندحار او العزلة الأولى داخل المكان الواقعي المغلق اي انها لم تستثمر فعل الاستكشاف كفعل تنويري لذلك فضلت العزلة على التنوير كملاذ ثقافي تقليدي يرفض التقاطع مع الواقع المعاش لان الكيفية الاستكشافية كما يطلق عليها (عبد الرحيم جبران )هي كيفية تقوم على أساس معرفي يرتكز على الخبرة الذاتية تجاه العالم والذات معا، أي لا تقف عند حدود الذات فقط وهذا ما حدث عند بطل الرواية(طلبت من أبي ان يبني لي غرفتين في ركن البستان البعيد دون أن يعلم بذلك احد ،كي انتقل أليها ،واعتزل الحياة ، فقد أصبحت داخل سجن لا أقوى على الفرار منه) وهذا يؤكد أن الفعل المعرفي في العراق هو فعل منفصل عن واقعه اي مرتبط بالذات (الأنا) أكثر من ارتباطه بالموضوع (الواقع)لان الهدف من المعرفة إيجاد ملاذ نفسي أكثر منه اجتماعي وهذا ما يكشف طابع العزلة للثقافية التي تعيشها نخبنا الثقافية . حاول علاء مشذوب عبر روايته من تكسير الثوابت المعرفية السائدة المرتبطة بالمقدس الديني و المدنس السياسي من خلال إعادة قراءة أساطيرنا التاريخية لكن محاولته هذه انتهت بالتماهي والغياب مع سحر الماضي ، كما غيبت صراعاتنا الدينية والسياسية تاريخنا وحضارتنا ، حتى بتنا كائنات مقطوعة عن تاريخها وحاضرها اي مجرد دمى تتقاذفها الأيادي كيفما تشاء لذلك خسرنا الحاضر وسنخسر المستقبل .

اضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *