في ذكرى رحيل رئيس جمهورية الشعر نزار قباني

“نزار قباني” رئيس جمهورية الشِّعر, ومايسترو أوركسترا الأوزان، والقوافي والناطق الرسمي باسم الشعوب العربية، الرجل الوحيد الذي يضع جيناتهُ القبليّة الذكورية جانباً، حين يتحدث مع النساء،أو يكتب عنهم.

الدبلوماسي الذي سكن مِصر..وبكين ..واسطنبول ..ومدريد…ولندن . أسس في كل عاصمة زمناً شعرياً خاصاً به. زرع في كل مدينة, جُنينة شاميَّه، زرع بها الطرخون، والفل، والنارنج، والنعناع.

“نزار قباني” الشاعر الذي لا يحتاج لمُقدمات لتقديمه.

يكفي ان تقول اسمه فقط…لأنه كان دائماً أكبر من اللغة ، وكانت حروف الأبجدية  الثمانية والعشرين، حروفاً فقيرة جداً، أمام قلمه الثائر، الذي يتطاير شراره مابين قصور الملوك ومخادعهم.

دمشق الياسمين ونزار

 دمشق تركت نزار قباني وحيداً ولم تخف عليه من زعران الحارة لم يكن “نزار قباني” شاعراً مُهادناً, ولم يكن شاعراً بالأجرة كما يقول عن نفسه.

لم تكن دمشق المدينة التي احبها ولم تكون تلك المدينة العادلة ومُنصفة معه، حاربتهُ، وكأنه الابن العاق ومنعت قصائده من دخولها.

لم تكن دمشق أماً رحيمة، لانها تركتهُ غارقاً بدمائهِ كما تركت جدهُ أبو خليل القباني مُضرجاً بدموعهِ.. مطروداً منفياً..مغضوباً على تركها.

نزار أيضاً لم يترك قصيدة سياسية تخرُج من تحت أنامله، إلا وشتم فيها سفاحي دمشق ولصوصها وعصابتها الحاكمة. فمن قصيدة “الديك” إلى قصيدة “عزفٌ منُفردٌ على الطبلة”

إلى قصيدة ” هذه البلاد شقةٌ مفروشةٌ، يملكها شخصٌ يُسمى عنترة ” ولينتهي بصراع حبه ” بلقيس “

نزار قباني وحربه مع السلطات الأمنية وملوك النفط

نزار قباني وحربه مع السلطات الأمنية وملوك النفط ، لقد حارب “نزار قباني” كل الانظمة التي تُصادر الأقلام والأوراق البيضاء. ولم يكن يأبهُ لا لأمير يرتدي عباءتهُ النفطية, ولا لرئيس يجلسُ على عِظامِ شعبه  ولا حتى لملك ابتاع حفنة من شعراء الرياء ليمدحوه صباح مساء.

كان نزار يُطاردهم جميعهم حتى في أحلامهم, و داخل فروعهم الأمنية. كانت قصائد “نزار قباني” تدخلُ البلاد العربية خِلسةً.. وتتجوَّلُ على راحتِها علناً.

كان أكبر من أن ينحني للسُّلُطات الامنيَّة …لا بل كانت كل السُّلُطات تنحني لقلمه, الذي خاض كل معارك الشرف, ورجعَ مُنتصراً, يرفع راية الشِّعر والحُرَّية.

دِمَشْق المدينة التي جعل منها نزار جنة تجري من تحتها الأشعار …حتى جعل الطيور اللندنية تهجر أعشاشها في حديقة الهايد بارك بلندن، وتُهاجر نحو دِمَشْق إلى ساحةِ  المرجة, وساحةِ الجامع الاموي لتكتشف الشام الذي هام بها شاعر الشام … وتنال شرف الشرب من ماء بردى.

مؤسس دولة النساء

أسس “نزار قباني” دولته النسائية الخاصة, وعندما انتهى من توطيد أركان الدولة انسحب مِنها بهدوء, وعيَّن النِساء حُكاماً عليها, ومنع الرجال من الاستمتاع بجنسيتها.

وضع دستوراً نسائياً خالصاً وأغلق الباب خلفه عام 1998 وهو مطمئنٌ على مملكة النساء النزارية .

الشاعر الدمشقي الذي ولد في 21  آذار وتوفي في 30 من شهر نيسان عام 1998 في لندن العاصمة البريطانية التي قضى “نزار قباني” نصف حياتهُ في المدينة الضبابية والتي أعطت لنزار الطمأنينة و الآمان.

من ذكرياتي الشخصية بدمشق في منزل نزار قباني

من أين أبدأ يا أبا توفيق …كل الدروب تسيرُ بنا إليك… وكل القصائد كل الدموع كل القوافي 

كل الأزقة ..كل أسراب الحمام …كل الغمام..كل الشآم ..تُسلم اليوم عليك.

 كيف أكتبُ يا سيدي والدموع تغطي العيون..والشام ما عادت دمشق ولا عدنا نحن بساكنيها.

عندما كنتُ في دمشق كنتُ اسكن في حي “القنوات الدمشقي”, الحي القريب من حي الشاغور، الذي كان القباني يسكنُ فيه، وتحديداً في حي “مِئذنة الشحم”. 

كانت أقدامي تذهب بي كل يومين نحو حي مِئذنة الشحم، حيثُ يقع منزلهُ العربي القديم والذي شبههُ في إحدى قصائده ” بقارورة العطر” يقول نزار بقصيدته:

“هل تعرفون معنى أن يسكن الإنسان في قارورة عطر؟

بيتنا كان تلك القارورة…إنني لا أحاول رشوتكم بتشبيه بليغ، ولكن ثقوا أنني بهذا التشبيه لا أظلم قارورة العطر …وإنما أظلم بيتنا”

ومن الجميل أن أقول أنه كانت لي صداقة مُميزة، مع ابن صاحب منزل “نزار قباني”,  وكنتُ أتردد أليه دائماً بحجة أني مُشتاق له، أو مررت من هنا صُدفة كي ادخل قارورة العطر التي أدمنت عليها. 

كنت أدخل باحة البيت العربي، وكأني أدخلُ معبداً أو كنيسة …كنتُ بحالة ذهول دائمة بحالة خشوع 

لاتنتهي.أسيرُ على البلاط المُرصع بالقوافي وأُلامس الحيطان المُعشقة بالفُل، والنعناع، والزنبق

وأُلقي التحية على الياسمين المُنتشر في أرضِ الديار حيثما نظرت..و من ثم أخرجُ ماشياً حوالي العشر دقائق من منزله… إلى مقبرة ” باب الصغير ” حيث يرقدُ جُثمان 

شاعرنا الكبير في مدافن العائلة ( آل قباني )  

أُلقي السلام عليه… وأسأل عن أحواله, وأُخبره قليلاً عن دِمَشْق التي ما عادت كما كانت.

أخبره عن أحوالنا قليلاً، وأحوال الشام، وبردى، والصفصاف، والغوطتين و نبكي معاً …

كان السير بتلك الطُرقات يجعلني أتنفسُ الحروف, والأوزان, والقوافي كنت أشاهد اللون الأخضر، والأزرق، وهي الألوان الخاصة بلغة نزار الشعرية، التي كان يستخدمها في اغلب قصائدهِ المائية. 

حتى سُميت لغتهُ باللغة المائية …وكان سعيداً جداً بهذا التشبيه. وأعود أدراجي نحو حي القنوات حيث أسكن…تفتح لي أمي الباب وفي كل مرة تقول لي:

“هل زُرت قبر أباك قبل أن تزور نزار والله كأنه أباك ولا نعرف”

كنتُ صغيراً حينها..وكنتُ أقول بيني وبين نفسي لماذا لم أكن أكبر..لماذا أنا اليوم لستُ رجلاً كبيراً

من جيل جدي. كنتُ أُعاتِبُ والدتي مازحاً ؟ ” لماذا لم تُنجبوني في جيل السبعينات, أو الستينات “

 فتضحك والدتي, وتقول لي: لم أكن أصلاً قد ولدت بعد. كنتُ أفكر، ومازلت أن أكون أكبر من عمري الحقيقي لربما كنتُ جلست يوماً مع نزار قباني ..أو كنت على الأقل حضرت أُمسيته الأخيرة في دمشق أواخر الثمانينات. 

في الحقيقة كنت قد حضرت أُمسية شعرية لمحمود درويش في دمشق… وعُمر الفرا… وأحمد فؤاد نجم.

لكن كان ينقصني بعض السنوات فقط لأحضر نزار …ولم يُحالفني الحظ ولا العُمر….

كنت مأخوذاً عندما كنت صغيراً بكتاب يُسمى ( دمشق نزار قباني ) كيف لشاعر أن يكون كنية أو أسم عائلة لمدينة عريقة كدمشق …بالتأكيد هو ليس شاعر عادي ولغته ليست لغة عادية.

” دمشق نزار قباني “هذا ما يجعل كل السُلالات الدمشقية تابعة لعائلة نزار قباني الشعرية بالمعنى الرمزي للكلمة. نستحضر هنا بعض أقوال الشعراء والمفكرين عن نزار قباني :

فيقول الشاعر الكبير فاروق جويدة :واصفاً كلماته بدقات الطبول, فقال:

” سوف تبقى كلماته طبولاً تدق في أزمة الصمت العربي “

أما الكاتب الكبير نجيب محفوظ فوصف القباني، بأن حياته كانت ملكاً لمعشوقتين :

” المرأة والقومية العربية، حيث كتب فيهما أجمل الأشعارالتي وصلت إلى قلوب الجماهير “

في حين كتبت فيه الشاعرة الكويتية سعاد الصباح، قصيدة كانت بعنوان ( رحل زمن من الشعر ) فقالت :

يا عصفوراً من عصافير الحرية، يا شاعر كل الفصول، مع قمر الصيف تأتي، ومع التماعات البرق تأتي، مع حزن الصواري تأتي، ومع بكاء الوطن تأتي، ومع نزيفه تنزف، يا أيها النسر الذي حمل تحت جناحيه ….مئتي مليون عربي, ومليون مئذنة, ومليون قصيدة …..

بينما وصف “نزار قباني” نفسه في سطور معدودة، حيث قال:

“أنا رجل يصحو، وينام على ضفاف الجرح العربي المتقيح منذ سقوط الدولة العباسية حتى اليوم، الفرق بيني وبين سواي، أنني لا أؤمن بالطب العربي، ولا بالسحر العربي، ولا أسمح لنفسي بالبقاء خارج غرفة العمليات أشرب القهوة وأدخن، أن غريزة الصراخ أقوى غرائزي”.

 

بلقيس الراوي الشهيدة العراقية

من منا لا يعرف زوجته بلقيس …ويحفظ بيتاً أو بيتين, من تلك التحفة الفريدة القصيدة الملحمة المُسماة (بقصيدة بلقيس) الذي يقول في نهايتها:

  بلقيس :
أسألك السماح ، فربما
كانت حياتك فديةً لحياتي ..
إني لأعرف جيداً ..
أن الذين تورطوا في القتل ، كان مرادهم
أن يقتلوا كلماتي !!!
نامي بحفظ الله .. أيتها الجميلة
فالشعر بعدك مستحيلٌ ..
والأنوثة مستحيلة
ستظل أجيالٌ من الأطفال ..
تسأل عن ضفائرك الطويلة ..
وتظل أجيالٌ من العشاق
تقرأ عنك . . أيتها المعلمة الأصيلة …
وسيعرف الأعراب يوماً ..
أنهم قتلوا الرسولة ..
قتلوا الرسولة ..
ق .. ت .. ل ..و .. ا
ال .. ر .. س .. و .. ل .. 

 رحيل شاعر الشام وشاعر الياسمين

مضى اليوم 22 عاماً على رحيل الشاعر الدمشقي, الذي قضى حياتهُ يتغزل بحبيبته الاولى والأخيرة (دِمَشْق) حتى كتبَ لها وهو على سرير الموت في مشفى ( سان توماس ) اللندنية الغرفة رقم 12 كتب لها آخر دواوينه الشعرية وبخط يده, ديوان ( أبجدية الياسمين ) وأوصى قباني بان يُدفن في مسقطِ رأسهِ كما يقول في الرحم الذي تشكل فيه يقول في إحدى قصائده :

( دمشق الرحم الذي علمني الشعر …الذي علمني الإبداع والذي علمني أبجدية الياسمين)

دُفن نزار في مقبرة باب الصغير الدمشقية، بعد أربعة أيام من رحيلهِ، وسط حُضور كبير من نجوم الوطن العربي، يتقدمهم المُطرب العراقي الكبير :كاظم الساهر، والفنانة التونسية لطيفة.

وكما يُذكر كل ابناء دِمَشْق كانت جنازة نزار قباني مُظاهرة سياسية بالمعنى الحرفي للكلمة فقد تمت سرقت النعش من قبل شباب دمشق ونسائها…وطافوا بنعشه حارات دمشق القديمة التي تغنى بها…وكان المشيعين يهتفوا ” لا إله إلا الله …نزار يا حبيب الله ” 

خرجت دمشق يومها عن بكرة أبيها في وداع، وتشييع شاعرها الكبير ولم يبقى شيخ، أو طفل, أو قطة, أو حمامة دمشقية إلا وشاركت في وداع نزار قباني.

كنت يومها أمشي كالمجانين خلف نعشه باكياً شاعر العروبة …وشاعر الحرية …وشاعر الثورة 

اعترفت دمشق في آخر الأمر 

بأمومتها لشاعرها الكبير وضمته تحت ترابها وعاد الطفل لرحم أمه.

جثمان الشاعر نزار قباني في لندن

ختاماً: في مقدمة الديوان الاخير “أبجدية الياسمين ” كتب أولاد نزار قباني: “أبجدية الياسمين”

ولد في 21 آذار (مارس) 1923 ورحل في 30 نيسان (ابريل) 1998. ولد في الربيع ورحل في الربيع. الربيع كان قدره كما كان الشعر.الأرض وأمي حملتا في وقت واحد ووضعتا في وقت واحد…


مقدمة قصتي مع الشعر


في كل فصل ربيع كان يتأمل الأشجار المزهرة بإعجاب شديد وكأنه يراها كل مرة للمرة الأولى. فيهزّ  برأسه قائلاً: «سبحان الله، كل شجرة لبست فستانها المفضل، واحـــدة بالأبيض والثانية بالزهر وأخرى بالأصفر وكل منها وكأنها تتزين لعرسها، أو تتنافس بينها كالبنات الفرحات بملابسهن الجديدة في العيد. في الثلاثين من نيسان لهذا العام 2008 تمر عــشرة أعوام على رحيله.

واحد من أكبر الشعراء العرب المعاصرين وواحد من أعظم الآباء، فتحية له ولعشاقه قررنا جمع القصائد الأخـــيرة التي كتبــها بين عامي 1997 و1998 والتي لم تصدر في كتاب من قبل وننشرها كما كتبها بخط يده الجميل لنشارك محبيه

 

كيفية كتابته للشعر ومزاجه والإلهام كيف يأتيه لعله الآن في أجمل مكان يبتسم لنا


عندما مرض وفي السنة الأخيرة قبل وفاته كنا نتفاءل عندما يشعر بالرغبة في الكتابة لأنها بالنسبة الينا كانت رغبة منه في الحياة، وكنا نحرص على وضع أوراقه وأقلامه بالقرب من سريره لعله يكتب لأن الشعر الذي كان لديه هو الحياة.

ولكن مع الأيام كثرت الأدوية وخفتت قدرته على الكتابة، فأزحنا الأوراق بعيداً وتركنا قلماً، وفي ليلة استفاق ليكتب فوجد القلم وليس الورق، ولكن لحسن الحظ وجد كيس أدويته وهو مصنوع من الورق، فأفرغ الكيس وكتب عليه فكانت هذه الصفحة الفريدة التي نشارككم إياها كما كتبها على كيس الصيدلية.


نحن لا نودعه في هذا الكتاب، بل نسلم عليه سلام الشوق والربيع ونقول له،


اشتقنا اليك يا نزار جميعاً…
والشعر اليوم من بعدك أصبح مثلنا يتيماً…
اشتقنا اليك أباً وشاعراً وانسان…
نحن لا نودعك في هذا الكتاب
فها هو ربيعٌ آخر يأتي ونيسان…
بل نسلم عليك سلام الشوق والربيع
ونقول لك
أزهرت الأشجار من جديد يا نزار
لعل الأشجار مزهرة دائماً حولك…»
أولادك
هدباء وزينب وعمر (نيسان – ابريل ‏2008)‏‏

بقلم : حسن ذي النون

احصل على تحديثات في الوقت الفعلي مباشرة على جهازك ، اشترك الآن.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.