طب النفوس


إعداد: سماح الشغدري
شاعرة وإعلامية وكاتبة يمنية

لا تعتبر اليمن ثرية بالنظر إلى ثرواتها الطبيعية فقط (وهي الثروات التي لم تستفد منها البلد اقتصاديا، بسبب سوء أداء السلطات السياسية المتعاقبة) لكنها ثريه أيضاً بالزراعة ومحاصيلها المتنوعة وثرية ثقافياً بتعدد اللهجات والأزياء والأكلات والأغاني؛ فلو تحدثنا مثلاً عن الغناء اليمني فإننا نلاحظ هذه التنويعة المدهشة للألوان الغنائية: الغناء الصنعاني، الحضرمي، العدني، اللحجي، اليافعي، التهامي، التعزي وغيرها.


كتب عن هذه الألوان الغنائية الكثير من النقاد والدارسين والفنانيين اليمنيين والعرب، وعدد من المستشرقين منهم الفرنسي/ جان لامبير، الذي عاش تفاصيل الأغنية الصنعانية لأكثر من ربع قرن؛ حيث قدم الى صنعاء في بداية الثمانيات لإعداد أطروحته لنيل درجة الدكتوراه في الموسيقى اليمنية، لكنه ارتبط بالغناء الصنعاني حد العشق ولم يكتف فقط بالاشتغال على درجة الدكتوراه والبحث والتوثيق، بل سعى بالتوازي إلى أن يتدرب على أداء الأغنية الصنعانية لأنه يرى أن رقة الكلمات الصنعانية ولحن اغانيها يجعل السلام والطمانية تحل في الى نفسه وتخفف من ضغوطات الحياة.


وأدى هذا التوثيق للموشحات والأغاني الصنعانية الى إنشاء المعهد الفرنسي للآثار والعلوم الاجتماعية، بهدف التوثيق لألوان الغناء الصنعاني والموشحات اليمنية بتقنية عالية إضافة إلى العديد من الكتب والمطبوعات التي تحدثت عن مميزات وخصوصية الغناء الصنعاني خصوصاً وألوان الغناء اليمني عموماً.
ومن هذه التجربة أطلق جان لامبير كتابه عن الأغنية اليمنية والصنعانية “طب النفوس” والذي ترجمه إلى العربية الدكتور علي محمد زيد والذي يسلط الضوء فيه على واقع الحركة الفنية في المجتمع اليمني وتحديدا حول الاغنية الصنعانية الذي وثق لبعض مراحلها وحكايتها وتجربته معها
ويرى أن تسمية الكتاب لم تكن منفصلة عن واقع وثقافة المجتمع اليمني اذا تسمى في صنعاء جلسة الموسيقى في مقيل بعد الظهيرة “بطب النفوس” او دواء الروح
فالغناء الصنعاني يتكئ على موروث هائل من الثقافة الفنية والاجتماعية التي تزخر بها اليمن.. الأمر الذي جعله في مقدمة اهتمامات النقاد والباحثين الغربيين والشرقيين، ولما له من خصائص فنية موسيقية عالمية اعتبرته اليونسكو من روائع التراث الثقافي اللامادي الإنساني، وصنفته ضمن قائمة التراث الإنساني الشفهي في العالم.
إن تميز الغناء الصنعاني يرجع لوجود بنية مستقلة ومترابطة ابتداء من كلمات الأغنية التي تعد مدرسة أدبية مستقلة بذاتها، وتسمى مدرسة الشعر (الحميني) وصولا إلى استخدام الآلات الموسيقية المتنوعة مثل الصحن النحاسي، والقنبوس أو ما يعرف باسم (الطربي) وهو العود الصنعاني القديم المتميز بصغر حجمه وأوتارة الأربعة.
ويرجع بعض الباحثين اليمنيين تاريخ هذا العود إلى الألف الأول قبل الميلاد استنادا إلى بعض الرسومات والنقوشات السبئية.. ويصنع “الطربي” أو “القنبوس” على خلاف العود من قطعة واحدة وذراع مغطاة بجلد الماعز مرصعة بالنحاس وتنتهي بمرآة يراقب من خلالها الفنان مظهره وهندامه أثناء أدائه الأغاني.
وقد ارتبطت هذه الآلة الوترية النادرة ارتباطا وثيقاً بالغناء الصنعاني حيث يمكن للعازف على هذه الآلة التقليدية -التي أوشكت على الاندثار وتم استبدالها بآلة العود- أن يؤدي حوالي إحدى عشرة نغمة من النغمات الخمس عشرة المعروفة في السلم الموسيقي!


وقد اهتم جان لامبير بدراسة تاريخ نشأتها والغناء بمصاحبتها، حيث يعتبر أحد القلائل الذين يحبذون استخدامها في أداء الأغاني الصنعانية التي أوصله ولعه بها إلى الإقامة الدائمة في صنعاء للبحث عن جذورها وارتباطها الوثيق بتاريخ الأغنية اليمنية القديمة.

اضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *