شعراء المهجر..بين التعالي والفشل وضياع الهوية


إعداد: جعفر النصراوي

من سوء الحظ أنّي أمتهن الصحافة، كوني أضطرُّ بسبب عملي، إلى إجراء اتصالاتٍ بشتى الاتجاهات، للحصول على معلومة ثقافية هنا أو حوار يُعنى بالثقافة هناك.
ومن خلال هذا الكم من الاتصالات أجدني كل يوم أصل إلى قناعة تامة، وبالطبع هي غير ملزمة للآخرين، كونها تتمثل بأن أغلبية من يدّعي كونه شاعرًا، لايستحق هذا اللقب.
وهنا جال في خاطري سؤال وهو، متى يستحق الكاتب أن يُسبق اسمه بلقب الشاعر، وماهي الشروط التي واجبٌ الإلمام بها ليقال بأنّه شاعرٌ ؟
هل كثرة إصدار المجموعات الشعرية لها القول الفصل ؟
هل حضور أكبر عدد من المهرجانات له تأثيرٌ ما؟
ففي الأولى، ونتيجة الدخل المادي المرتفع نسبيًا في بلدان المهجر، مقارنة بقرينه في الوطن العربي، يمكن لكل من خطّت أنامله بضعة كلمات، أن يصدر كتابًا يطلق عليه اسم ما، يتبعه عنوانُ مجموعةٍ شعرية.
وفي الثاني بسبب امتلاكه لجواز سفرٍ أجنبي، الأمر الذي سهّل له التنقل بين أرجاء المعمورة كضيفٍ في كل مهرجان.
هل يعرف مايسمون أنفسهم بشعراء المهجر، مامعنى كلمة شاعر مقارنةً بإيليا أبو ماضي؟
الذي قال:
نسي الطين ساعة أنّه طين
حقير فصال تيها و عربد
و كسا الخزّ جسمه فتباهى ،
و حوى المال كيسه فتمرّد
يا أخي لا تمل بوجهك عنّي ،
ما أنا فحمة و لا أنت فرقد
أيّها المزدهي . إذا مسّك السقم
ألا تشتكي ؟ ألا تتنهد ؟
و إذا راعك الحبيب بهجر
ودعتك الذكرى ألا تتوحّد ؟
أنت مثلي يبش وجهك للنعمى
و في حالة المصيبة يكمد
أدموعي خلّ و دمعك شهد ؟
و بكائي ذلّ و نوحك سؤدد ؟

وكان أبو ماضي من أوائل شعراء المهجر الأفذاذ الذي وصل بقصائده لجميع القلوب العربية، رغم أنّه عاش بعيدًا عنها لسنوات طويلة، والسؤال هنا، كيف وصل، ولماذا وصل شعره، رغم عدم وجود هذه الإمكانيات المتاحة في النشر في عصره، مقارنة بعصرنا، عصر اختراع الشبكة العنكبوتية وسهولة التواصل؟
وغير أبو ماضي الكثير، منهم شعراء المهجر أعضاء الرابطة القلمية: جبران خليل جبران، وميخائيل نعيمة، ونسيب عريضة، ورشيد أيوب، وعبد المسيح حداد، وندرة حداد، وليث سعيد اغريب، وأمين مشرق،ووديع ياحوط.
وأدباء المهجر الجنوبي: ميشيل نعمان معلوف، وفوزي المعلوف، ورشيد سليم، وشفيق المعلوف، وإلياس فرحات، وعقل الجر، وشكر الله الجر، وجرجس كرم، وتوفيق قربان، واسكندر كرباج، ونضير زيتون، ومهدي سكافي، وعمر عبيد، وسلمى صائغ، ويارا الشلهوب
وأدباء المهجر الشمالي، ومنهم أمين الريحان،
كل هؤلاء استحقوا اللقب لأنهم رغم الاغتراب حافظوا على روح الشعر العربي وجماليته و تميّزت قصائدهم بالحنين والشوق إلى الوطن، والدفاع عن القضايا المتعلّقة به، من منطلق أنّ الشعراء جزءٌ لا يتجزأ منه. حيثُ فاضت قصائدهم بمشاعرهم الجيّاشة التي تتغنى بجمال الوطن، وتُعبِّر عن مرارة الغربة.
وقد اشترك شعراء المهجر الجنوبي والشمالي بهذه الصفة. كذلك كان التحاور مع الطبيعة والامتزاج بها، وبثّ روح الحياة في مظاهرها، وإسقاط ما يجول في أنفسهم من مشاعر الحزن، والخوف، والحب واضحًا بشكل جلي على قصائدهم الخالدة، و كانت الطبيعة ملاذاً يجدون فيه الراحة والسعادة، مثال ذلك ما تغنّى به جبران خليل جبران في قصيدته”المواكب”.
ولم يغفلوا التأمّل في النفس الإنسانيّة، فقد عمد شعراء المهجر إلى تحليل الشخصيّة الإنسانيّة، من خلال تصويرها بدقة، للكشف عمّا فيها من أسرار، ولتحقيق المُثل العليا الخالدة، وهذه الميزة، اتّصف بها شعراء المهجر الشمالي أكثر من الجنوبي.
ظهور النزعة الإنسانيّة الشاملة في منتوجهم الأدبي، حيثُ اتسعت قلوبهم بالحب المطلق لكل البشريّة، وانتقدوا الظلم الذي منع أوطانهم من الاستقلال والتحرر، كما ساهموا في نشر المبادئ الإنسانيّة بين الناس، لبناء وخلق مجتمع إنساني مثالي يسوده العدل، والمودة، والرحمة.
أما مانطالعه اليوم أشبه بالتخبّط بحجّة تمازج الثقافات، بالطبع هناك استثناءات قليلة لشعراء أثروا المكتبة العربية بنتاجاتهم لجودتها نص وروحانية. لكن ما نرى اليوم من قصائد على نمط قصائد الشاعر الاميركي ت.س. اليوت الحائز على جائزة نوبل للآداب عام ١٩٤٨. أو الشاعر الانگليزي تشارلز بيست في قصيدتين شهيرتين له هما سونيتة الشمس وسونيتة القَمَر وغيرها من الأمثلة إذ لا يخفى على قارئها مدى التخبّط الذي تكون عليه القصيدة، حين تغادر روحها الأصلية، وتعجز عن الإمساك بتلابيبها، لاسيما أن ّالقارئ لا يرى مذاقًا في شعرٍ لايمتلك تلك الروح، لذلك نجد أن الشعرالحديث في المهجر يبتعد كليا عن مدارس الشعر العربي.

اضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *