رائحة الكافور…..أرشفة للوجع العراقي

قراءة سماح عادل

رواية “رائحة الكافور” للكاتبة العراقية ميسلون فاخر تتناول الموت العراقي من خلال زاوية مميزة يتقابل فيها الأموات، وبسلام يتركون حياتهم المليئة بالعذابات.

الراوي.. هي البطلة “ميسلون” التي تتذكر كل تلك القصص التي يجمعها رابط واحد هو الموت، تحكي عن نفسها بضمير المتكلم وعن باقي الشخصيات بضمير الغائب.

السردالرواية.. عبارة عن مجموعة من القصص تربطها البطلة “ميسلون” التي هي راوية لتلك القصص، وكأنها تتذكرهم في ذهنها وهي موشكة على الموت.

سلام الموت بعد عذابات الحياة..

أهم فكرة تتناولها الرواية أن الموت يحقق السلام لهؤلاء الناس المعذبين، والذين يمثلون نماذج لشخصيات عراقية كثيرة، أحمد يمثل نموذج للأسير الذي ضاعت حياته، وأخوته الذين قتلوا بسبب انتفاضهم على السلطة الجائرة، و”أزهار” نموذج للفتاة التي تباع بسبب فقر أهلها، و”عذراء” نموذج لأرملة تعاني من الفقر ومن فظاظة الأهل الذين حولهم الفقر إلى قساة القلوب، لكن أهم ما يميز الرواية أنها لم تتناول الموت من خلال الرؤية المأساوية له، وإنما تعاملت معه بتسامح، صورته على أنه بداية الإحساس بالسلام بعد عذابات قاسية ووحشية، فالأموات يلتقون أخيرا ويتقابلون ويتجمعون في سلام ومحبة، بعد تلك الحياة التي لم يأخذوا منها سوى المعاناة حتى أنهم قد يظهرون للأحياء مبتسمين.

غلاف رواية “رائحة الكافور”

صدرت رواية “رائحة الكافور”عن دار سطور 2018، وكتب مقدمتها الناقد العراقي “ياسين النصير” وقال فيها: هذه رواية مجس لتاريخ ما يزال حيًا بيننا، مجس للشخصيات، مجس للأمكنة، مجس للطبائع والمصائر، مجس للتجربة التأليفية، هي رواية بحث في سطح الحياة الاجتماعية الواسع عن مصائرنا عامة، غطاؤها حرب إيران واحتلال العراق، وما جرى من أحداث هنا أو هناك، رواية سيرة لشخصيات منتخبة بدقة من أرض واسعة، وقضايا لا يحدها بيت ولا تختص بها مدينة دون أخرى، وكأنها رواية كل العراقيين، أولئك الذي أسروا، أو جاعوا، أو هاجروا، أو مرضوا، أو ماتوا، في الغربة، أو في مستشفيات وأنهار العراق، الرواية تدون صورة قلمية للتاريخ المعاصر عبر شخصيات شابة لم تختبرها الحياة كثيراً، ولذلك تولت الروائية كتابة سيرهم الشخصية القلقة، وما خلفها، وما أمامها، كما لو كانت الرواية مدونة لسجل يومي لم تغفل شيئاً. ما يلفت النظر في هذه الرواية القصيرة، أن الثيمة الأساسية هي البحث عن المصائرالمفقودة، هذا الدوران بين الذات وفقدان الهوية، هو الذي جعل الرواية بالرغم من قصرها تتسع كي تلملم موضوعًا وجوديًا لا تستوعبه شخصية واحده، ذلك هو المصير الذي شعر العراقيون جميعهم أنهم فقدوه، وما الوعي المستلب إلا الشكل العام، هذه ثيمة وجودية بامتياز، لأن الروائية أسست للبحث عنها أرضية في داخل تركيبة اجتماعية شابة لم تختبر الحياة طويلًا، شريحة واسعة من الإرادات القلقة، وهو مايجعل الرواية مليئة بالصدق.. جعلت المكان أوعية، حُشرت فيها الشخصيات دون ملامح وسرعان ما خرجت منها دون ملامح أيضاً أما للهجرة أو للموت أو للإنتحار.ففي ايران حيث الأسر والبحث عن خلاص بحثا عن استقرار روحي مفقود، وفي العراق حيث الأمراض والدوران في المستشفيات، وكأن المصائر التي احكمت سيطرتها على الشخصيات واحدة في جغرافيات واسعة، بحيث لم نجد تفصيلات لجذور الشخصيات بقدر ما أصبحت مادة شعبية لحكايات متجاورة وضعتها الروائية في بوتقة اسلوبية سردية مباشرة.. ما يلفت النظر في هذه الرواية القصيرة، أنها مليئة بالصدق، لأن التجارب التي أدرجتها من مألوف الحياة اليومية التي تملأ سلال بيوت الفقراء، تجاربها مقترنة بالوضع الاقتصادي والنفسي لشريحة واسعة اضطرت العيش تحت ظلال القوى الغاشمة.كما شدني في الرواية هو التوازن بين الجغرافيات، فما يحدث في ايران للأسرى، يجد قرينا له بما يحدث للمرضى في المستشفيات وفي حياة الفقر والعوز والإنتحار في العراق، وكأن الرواية بحث عن وضع إنساني عام قابل للهدم والتدمير. فالذكريات تغذي التاريخ بشعيرات يغفلها التاريخ، لذلك كانت الرواية مراوحة بين سرديتين: إحداهما مروية بضمير المتكلم، وقد ميزتها المؤلفة بالحروف الداكنة السوداء وكأنها تعبير عن سيرة ذاتية لتاريخ شخصي، والثانية بضمير الراوي وقد كتبت بحروف عادية اللون، وكأنها رواية من الخارج عن سير الشخصيات. هذه الموازنة الأسلوبية جعلت الرواية تتأرجح بين منطقتين: أحدهما نفسية عميقة، والأخرى سردية لسطح الحياة الاجتماعية الواسع”.

اضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *