تحديات لاجئ في المهجر

ضحى الأحمد
إعداد: ضحى الأحمد

بعدما نسفت الحرب أحلامنا في بلادنا التي لم يبقى فيها سوى الكثير من الذكريات والقليل من الحياة أصبحت أوروبا هي الملجأ الأخير الذي اختاره السوريون لبناء حياة جديد، إلا أن الاندماج في هذا المجتمع لم يكن بالأمر السهل . في بداية الأمر يعيش كل منا في رهاب تقبل الشخص الآخر له أو كيفية التعايش في ضمن مجتمع لا يشبهه، فوصف الإنسان أو وضعه بين قوسين “لاجئ، أوسلندر، أزول ” تسبب الحرج أو الإحساس بالإختلاف أو ربما النقص بالنسبة للكثيرين، و أعتقد بأن أغلب اللاجئين أو المهاجرين لديهم ما يروونه من تجارب حول الوقع او التأثير الذي سببته لهم كلمة “لاجئ” أذكر بأن أخي الصغير عاد باكياً إلى البيت بعدما أخبره زميله في مدرسته الجديدة بأنه لاجئ، أعتقد بأنه لم يكن يقصد أن يجرحه، إلا أن أخي شعر بالإهانة والعنصرية، تلك الكلمة كان لها تأثير سلبي عليه و أدخلته في إحباط و عدم الإرتياح في محيطه الجديد، لم تقوى عائلتي وقتها على فعل شيء سوى أن تشرح له ما معنى هذه الكلمة و بأنها ليست بشتيمه و حاولنا جميعا أن نحتويه و نجعله يتقبل وصفه الجديد الذي لم يختاره هو بل أُجبر عليه . نحن نعيش في مجتمع ذو نسيج متنوع و غني بالثقافات المختلفة و الجنسيات المتنوعة كالعرق الأبيض و الأصفر و الأسمر ومزيج من الحضارات و التقاليد و العادات و أعتقد بأن أغلب سكان هذه المدينة كانو يوماً لاجئين مثلنا فالحروب قد لازمت البشرية منذ القدم و مازال التاريخ يذكرها، كحروب البقاء و السيطرة على الملك. نعم أنا أشعر بالأسى لما تشعر به أمي من غصة حين تتذكر أيامها الجميلة في سوريا، و حين يأخذها الحنين للمة الجيران و رشف القهوة معهم على حديث من هنا و هناك ، هي لم تتوقع أبدا أن تفارق بيتها مملكتها و نصبح لاجئين في حين كل الدول العربية قد لفظتنا من على حدودها . الجميل في تلك الحادثة أنها حولت مجريات حياتنا و حفزتنا على أن نثبت أنا و أخي النظرية الأخرى بأننا سنكون كما نريد و بإمكاننا التعايش في أي ظرف نوضع فيه. إحساس الدونية أو العار من كلمة لاجئ قد نسفهم أخي بإصرار حين تعلم و أجاد اللغة الفرنسية وتفوق في دراسته وأصبح لديه الكثير من الأصدقاء الأجانب ،لم يعد يهتم لهذه الكلمة بعدما أيقن أن صديقه لم يقصد إهانته وبأن اللاجئ هو إنسان أُجبر على الهرب من وطنه مكرهاً و أن عليه أن يبحث عن الأمن و الأمان في مكان آخر و يغرد بعيدا عن لعنة الحرب ليحقق طموحه و يثبت ذاته .

الإندماج

“الإندماج” لطالما كانت هذه الكلمة هي الرنانة في عقولنا منذ وصولنا إلى هذه البلاد . كيف لي أن اندمج في مجتمع لا يشبهني؟! كيف لي أن أبدأ من الصفر حيث لا وجود لأبجديتي التي أجدتها منذ الصغر؟؟؟ كيف لي أن أخبرهم بأني هنا هارباً من الحرب ؟ باحثاً عن حياة أفضل و باحثاً عن السلام ؟ الإندماج الحقيقي هو التعايش من دون بناء أيّ حواجز أو فروقات مع الأشخاص الذين نعيش معهم و التحلي بالصبر الكافي لاستيعاب الرأي الآخر كي ينضج تفكيري و يتقبل هذا الاختلاف والتعامل معه بصدقٍ وشفافية، لأنه سيكون تعامل على أساس إنساني بحت دون التطرق للجنسيات و الأعراق و الأديان . الإندماج لا يحدث بشكل عفوي أو تلقائي و الدليل على ذلك هو إنشاء الدول الحاضنة للجوء دروس خاصة بالدمج و يعتبر من أهم المسؤوليات التي تقع على عاتقهم من خلال الجمعيات و المنظمات الإنسانية و مدارس اللغة التي يقدمون فيهم حلقات الدمج و التعريف عن العادات و التقاليد عندهم بالإضافة لتقديم دروس اللغة الإلزامية من أجل توظيف أسهل الطرق لكسر حاجز الاختلاف و أيضا منح فرص التعليم و التأهيل الجامعي و معاهد التدريب المهني لخلق توازن اجتماعي عادل يضم كل الجنسيات . و كانت تعلم اللغة إحدى أول الخطوات التي علينا اتباعها من أجل إظهار مهارتنا العلمية و الثقافية من خلال الإندماج المباشر بالمجتمع . أن نحب ما نفعل و نؤمن بقدراتنا هما سر نجاحنا ,النجاح الذي خبأه آينشتاين في مقولته “الحالة الذهنية التي تُمكن الإنسان بالقيام بعمله..أقرب ما تكون بحالة المُتعبّد أو العاشق، الجهد اليومي لا يأتي من الإعداد المسبق أو جداول الأعمال ولكن ينبع من القلب، الإيمان بأنفسنا أننا نستطيع و ثانيها حب الأشياء التي نفعلها هي الإكسير السحري للوصول إلى ما نتمناه” . لاشك بأننا وجدنا الكثير من الفروقات بين ثقافتنا وثقافتهم ونمط حياتنا وحياتهم و وقفنا تائهين أحيانا، شعرنا بالإكتئاب لكل ما يحدث حولنا ومشينا تارة أخرى نتابع مستقبلنا بكل قوة. من المضحك أن سندويشة الشاورما كانت مفتاح بسيط لأغلب الأمور المعقدة التي لا يمكننا شرحها، فقد كانت بالنسبة لي كفيلة بأن تنسيني هموم غربتي فأسمى ما فعله السوريين عند وصولهم الى أوروبا هو نقل ثقافة المطبخ الشرقي و فتح المطاعم العربية التي تحمل نكهة لايمكن أن نجدها في مطاعمهم حتى أنها كسرت حاجز الاختلاف فلطعامنا لغة لا يتقنها سوى من عشق التذوق. مامن غربي أو أجنبي تذوق طعامنا إلا و أبدى إعجابه الشديد بهذا المطبخ العظيم فبطبق الحمص والتبولة وحتى سندويسة الشاورما بدأت تتلاشى الحواجز حتى وصل إعجابهم باللغة العربية وبطريقة كتابتها من اليمين إلى اليسار ،في حين كل لغات العالم تبدأ بالعكس. أعرف دكتورة جامعية في قسم تعلم اللغات من هوايتها تعلم اللغة العربية و أذكر حين دُعيت ذات مرة إلى أول درس لديهم لتعليم اللغة العربية ف كان الدرس مضحك جدا حيث تبادلنا الأدوار، دكتورة الجامعة أصبحت طالبتي في المساء، و كم شعرت بالفخر بتلك اللحظة حين رأيت لهفتهم لتعلم لغتي العربية. نعم علينا أن نعتز بثقافتنا التي نحملها في عروقنا و أن نكون على يقين بأن اندماجنا في المجتمع الجديد لا يعني طمس هويتنا فحضارتنا كانت ولا تزال من اسمى ما يتغنى به التاريخ . فهل سنضع حواجز مجددا ونخاف من مستقبلنا هنا بعد كل الذي عشناه ؟؟؟ أم أننا سنكمل طريقنا على يقين بان القادم أجمل وبأننا سنحصد يوما ثمرة ما زرعناه في هذه البلاد؟ طبعا الجواب أتركه لكم هل ستعلنون انهزامكم أم ستكملون ، بالنسبة لي حتما سأكمل

اضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *