pexels.com

النساء مغفّلات لاعتقادهنّ بحاجتهنّ للرجل!

كيف لنا أن نغضّ الطرف؟.. ونتجاهل، بحجّة أنّ هناك من القضايا الكونيّة ما هو أهمّ و أثقل من مشاكل النساء و تعنيفهنّ لفظياً وجسدياً و جنسياً و نفسياً و حتى فكرياً..؟ الأمر لن يقتصر على الكدمات و الخدوش،

على التشوهات التي لن تصلحها كل عمليات التجميل، لأنّ الرضّ النفسي و الشعور بالظلم دون اقتراف ذنب حقيقي .. أسوأ بكثير .. ذلك الرضّ الذي سيلازم كلّ واحدةٍ منهنّ طيلة حياتها كــ شبح يتربّص بها كلّما عرفت رجلاً , و كلّما قابلت أحداً ..

قرأت قبل فترة، أنّ النساء مغفّلات لاعتقادهنّ بحاجتهنّ للرجل … أنا في تأييدي لمقولة كهذه لا أنفي دور الرجل في حياة كل أنثى، لكنني فقط أُعيب حالة الاتكال عليه من قبل الأنثى ذاتها، حالة العبودية له، الناجمة عن التعلّق المَرَضي بوجوده، لدرجة بحثها الدائم عمّن تتشبّث به لتحمّله عبء وجودها، عن القيود التي تلفّ نفسها بها لظنّها أنّها بذلك تستريح من ثقل الحياة وهي لا تدري أنّ ثقل قيوده هو فيما لو كان “خنزيراً بريّاً”

ألعن و أشدّ وطأة من احتمالها مشقّة العيش وحدها، أستنكر فقط رغبة بعض الإناث بالبقاء ذليلات مستضعفات بدلاً من مواجهة الشارع، وظروف العمل، والآخرين، تحت حجج برّاقة يغذّيها المجتمع و تدعمها الشرائع والموروثات في كل مناسبة.

تلك العبارات والحجج التي تغلّف الأنثى و تجعل منها شيئاً إضافيّاً من أشياء المنزل، وجماداً لا يعلم كيف يتدبّر أمر نفسه فيما لو ضاقت به الدنيا.. وفي مجتمعٍ يزدحم بشعارات تقلل من شأن الأنثى، نجد مِنَ الآباء مَن يرفض تعليم ابنته بعض الأمور اللازمة لتسيير الحياة اليوميّة والتعايش مع الواقع، وهي سياسة أخرى

لجعلها في حالة احتياجٍ دائم له و لــ “رجولته ” طوعاً وقسراً, ليشعر هو, من خلال ذلك بقدسيته المصطنعة ومكانته الباهتة التي يحققها على أكتاف الآخرين، بعد إدراكه حقيقة أنّه فارغ تماماً من الداخل، لكنّ ذلك الشعور بالانتقاص و التبعية، يخلق لدى بعض الشابّات انفعالاً كبيراً، يدفعهنّ لتعلُّم بعض الأمور أو المهن التي صنّفتها العادة على أنّها حِكرٌ للرجل، وفي رأس كلّ منهنّ ألف حسابٍ مرتبط بسؤال : (ماذا لو جارت عليّ الدنيا ؟ ) .

ما إن كبرت، حتى أدركت أن ما اتبعه والدي معنا، يتّبعه الرجال غالباً مع كلّ أنثى قريبة منهم، بل و يتّبعه المجتمع ككلّ عبر التاريخ ، مع النساء والعبيد والأقليات وأولئك الذين يجعلهم قصداً وعمداً “مستضعفين” .

تحاول أن تعوّد نفسك على كونك مَنْ يحتاجه الآخرون ،لا مَنْ يحتاج للآخرين . نحن نحمل من الرواسب ما يفيض ويزيد عن توّقعاتنا ..و في أدنى تصرفاتنا غير المحسوبة ، نحن نتصرف بشيءٍ من ماضينا ، من طفولتنا .. من ألمنا.

كان علينا بعد كلّ ما أضعناه أن نكون أقوى ، ليس من أنفسنا فقط ، بل أيضاً أقوى من فرضهم علينا تلك القناعة بأنهم قد فضّلوا علينا، حتى في أتفه واجباتهم الطبيعية !.

مؤلم أن تسيرَ وحدك و أنت تفكر كيف تتخلّص من كلّ تلك القيود التي فُرضت عليك في هذا البلد، وبينما تسير تصادف امرأة ، وطفلها الذي ما تجاوز الخمس سنوات ، وهو يحمل كَدمة التهمت جزءاً من وجهه الصغير ، و قد أطفأت عينه ربّما.

مؤلم أن تنتظر مجيء الباص، لتراقب مصادفةً ، أحد “الشبيحة ” (كما أسماهم ممدوح عدوان في كتابه) ببذلته العسكريّة، يرسل مجموعةً من أطفال الشوارع ليحضروا له الأموال بتسوّلهم ،

مؤلم أن ترى الأنثى تعنّف لفظياً من قبل مدير العمل ، جسدياً من قبل العائلة ، جنسياً من قبل الزوج، و نفسياً من قبل الجميع ..

غياب القانون الحازم في أمور كهذه ، فقناعة النساء التي باتت راسخة بأنّ القانون لن ينفع فيما لو قدّمن شكوى أو وكّلن محامٍ أو توّجهن إلى قاضٍ ، وخوفهنّ ممّا يدعوه المجتمع بالــ “فضيحة” ، و قبول بعضهنّ لفكرة أنّهنّ لن يستطعن العيش بدونهِ (هو) إطلاقاً ، فيدفعهنّ ذلك إلى التمسّك بأوّل رذيل يمرّ، دون أي تردد أو ترك قيمة ما لكرامتهنّ ، فضلاً عن عدم إدراك الأنثى لأدنى حقوقها أحياناً،

و تغييب هذه الحقوق في البيئات المهمّشة، لدرجة أنّها ترى في عبوديتها و جهلها ، حالة طبيعيّة للأنثى ، دون أن يراودها في ذلك أدنى شك، وفي البيئات المتشددة، تصبح هي نفسها، عدوة نفسها و عدوة الأخريات، فتدافع عن شرائع، جعلت منها محض جسد لتفريغ الشهوات ، وخادمة “جنّتها المنزل” فتلّقن بَناتها نفس الدروس ، لنصبح عندئذٍ في حلقة مفرغة ، يحكمها مجتمع جائر من جهة ، و قبول بعض النساء بواقعهنّ بصمت و قهر ، و غياب القوانين الحقيقيّة في قضايا التعنيف و الحرمان من جهة أخرى .

احصل على تحديثات في الوقت الفعلي مباشرة على جهازك ، اشترك الآن.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.