Photo by VisionPic .net from Pexels

الزمن السابق على الحضارة

ونقدره إجمالاً بمليون سنة، فهذا التقدير التقريبي لا يقدح فيه قول بعضهم إن حياة «الإنسان» على الأرض تمتد لأكثر من مليوني عام، وقول بعضهم الآخر إن آدم التوراتي عاش على الأرض منذ حوالى سبعة آلاف عام!..

فليس مرادنا هنا النظر فى الحفريات والبدايات الأنثروبولوجية مقارنة بالتقريرات العقائدية، إنما نقصد إلى هدف آخر، هو تطور المفهوم عبر المراحل التاريخية المختلفة، بصرف النظر عن المدة الزمنية التى استغرقتها هذه المرحلة أو تلك، فالعبرة هنا ليست بطول المدة التى عاشها الإنسان الأول فى البرارى، ثم فى الكهوف، ولكن بالتحولات الأساسية فى صورة الأنثى.

وحين نقول «زمن ما قبل الحضارات» فإن مرادنا بذلك هو الفترة الممتدة من وعي الإنسان الأول بنفسه وبالعالم من حوله، وهو ما ظهر فى رسوم الكهوف التى سكنها البشر قبل قرابة خمسين ألف سنة، فى مواطن متفرقة فى العالم:

جنوب فرنسا، شمال الجزائر، إندونيسيا.. حتى الفترة الممتدة من استقرار الإنسان فى تجمعات كبيرة تمارس الزراعة، وهو ما كان قبل قرابة خمسة عشر ألف سنة، في وادى النيل وسهول العراق الجنوبية وحواف الصين والهند.

حين نقول: زمن القنص، زمن الصيد، زمن الرعى، زمن الزراعة.. فليس المراد من ذلك التحديد الزمنى الدقيق، مثلما هو الحال عند التأريخ للوقائع التى جرت فى الخمسة آلاف سنة الأخيرة، من خلال النقوش والكتابات المبكرة، لأن هذه الأزمنة السحيقة التي تطور فيها نشاط البشر وانتقل من القنص إلى صيد الحيوانات إلى استئناس القطعان والتحرك بها بحثاً عن الكلأ، إلى الاستقرار فى الأرض الزراعية..

هذه الأزمنة متداخلة، بمعنى أن جماعات كبيرة من البشر استقرت للزراعة فصارت لها ثقافة «ولهذا تقترب لفظتا زراعة وثقافة فى اللغات المتطورة عن اللاتينية»

في الوقت الذي كانت فيه جماعات أخرى، كبيرة، لاتزال تعيش فى حالة الرعي أو الاعتماد الأساسي على الصيد، فهذه المراحل متداخلة، وتطور البشر لم يتم على نسق واحد،

وإنما اختلف باختلاف الأمكنة وليس الأزمنة، فالمصري القديم فى الوادي، والسومريون الأوائل فى العراق، كانوا يمارسون الزراعة ويؤسسون الحضارة منذ آلاف السنين، بينما العربي فى قلب الجزيرة لايزال يمارس النشاط الأكثر بدائية: الرعي.

وأخيراً، حين نقول «بداية الحضارات» فليس المقصود هو بداية «الملوكية» فى مصر عند توحيد السلطة السياسية على يد «مينا» المشهور بموحد القطرين، فمن قبله كان هناك قطر شمالي وآخر جنوبي، ولكل منهما تاج! يعني فى كل منهما سلطة سياسية مستقرة وتاريخ سابق طويل، غير مكتوب..

وكذلك الأمر بالنسبة إلى «سومر»، التي اخترعت الأبجدية وكتبت بالنقش المسماري على ألواح الطين، بعد عدة آلاف من السنين كان المجتمع يعيش فيها حياة متحضرة بمقاييس هذه الأزمنة، ويمارس أنشطة متطورة ويصوغ مفاهيم عامة عن العالم.. وعن الإنسان.. وعن الأنوثة.

احصل على تحديثات في الوقت الفعلي مباشرة على جهازك ، اشترك الآن.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد

سياسة الخصوصية وملفات تعريف الارتباط