التربية الأخلاقية عند الصوفية

التصوف نوعان؛ تصوف فلسفي على نحو ما ذهب إليه الشيخ الأكبر محي الدين بن عربي وغيره.. والتصوف السلوكي؛ سيد الطائفة الجنيد البغدادي وغيره.. ما يجمع بينهما؛ الجانب الروحي والأخلاقي.. ويختلفان في

الجانب العرفاني، كل منهما له تصوره وحدوده والمنهج المعتمد في مجال العرفان من حيث الاعتدال وسقف البوح.. فالاختلاف في الدرجة لا في النوع.


الأهم في هذه الفقرة التصوف السلوكي لا التصوف الفلسفي.


ما يميز التصوف، بشكل عام، الاهتمام الكبير بالمجال الروحي والمجال الأخلاقي، لا سيما روحانياتهم جد عالية، لها قوة مغناطيسية في جذب المريدين من أول لقاء من خلال التشرب القلبي بحكم القابلية والاستعداد

الجيني والنفسي لدى المتلقي بالإضافة إلى قوة الجذب لدى الشيخ المربي؛ هناك تجارب شخصية عديدة أكثر مما تحصى من مستويات اجتماعية مختلفة ومتباينة من حيث الحيثيات.. ذلك ما يعبر عنه البعض ب: “الولادة الثانية”. مثل هذه اللقاءات المأثرة في المريد يترتب عنها ما بعد اللقاء الأول تغيير جذري في النفس في آنه وفي السلوك تبعا بالتدرج..!شهادات الأكابر
هناك اختلاف بين العلماء تجاه التصوف، عموما، بين متطرف ومعتدل وموافق..


نبدأ بشهادة أبي حامد الغزالي:


” إني علمت يقينا أن الصوفية هم السالكون لطريق الله تعالى خاصة، وأن سيرتهم أحسن السير، وطريقهم أصوب الطرق، وأخلاقهم أزكى الأخلاق. بل لو جمع عقل العقلاء وحكمة الحكماء، وعلم الواقفين على أسرار

الشرع من العلماء، ليغيروا شيئا من سيرهم وأخلاقهم ويبدلوا بما هو خير منه لم يجدوا إلى ذلك سبيلا..”.
شهادة ابن تيمية:
” والصواب أنهم (أي الصوفية) مجتهدون في طاعة الله، كما اجتهد غيرهم في طاعة الله. ففيهم السابق

المقرب بحسب اجتهاده، وفيهم المقتصد الذي هو من أهل اليمين. وفيهم كل من الصنفين من قد يجتهد فيخطئ. وفيهم من يذنب فيتوب أو لا يتوب “.


شهادة تلميذ ابن تيمية الإمام ابن القيم:


” وأما السابقون المقربون فنستغفر الله الذي لا إله إلا هو أولا من وصف حالتهم وعدم الاتصاف بها. بل ما شممنا لها رائحة. ولكن محبة القوم (يقصد الصوفية) تحمل على تعرف منزلتهم والعلم بها. وإن كانت النفوس

متخلفة منقطعة عن اللحاق بهم ففي معرفة حال القوم فوائد عديدة (…) ومنها أن هذا العلم (يعني علم التصوف) هو من أشرف علوم العباد، وليس بعد علم التوحيد أشرف منه، وهو لا يناسب إلا النفوس الشريفة “.
إلى غير ذلك من الشهادات الصادرة عن الأكابر في العلم قديما وحديثا..

علم التصوف


التصوف علم قائم بذاته له موضوعه ومنهجه وأصوله ووسائله وقواعده.. كباقي علوم الشريعة مثل؛ علوم

القرآن، علم الحديث، علم أصول الفقه، علم الكلام.. ولقد أطلق ابن القيم على التصوف صفة “علم” كما سبق ذكره أعلاه.. واعتبره “من أشرف علوم العباد”.
لب التصوف يكمن في الجانب الروحي والجانب الأخلاقي.. جاء في بعض التعريفات للتصوف:
” التصوف خلق فمن زاد عليك في الخلق زاد عليك في التصوف “.
” التصوف الأخذ بالحقائق واليأس مما في أيدي الخلائق “.
” التصوف أن تكون مع الله بلا علاقة “.
” التصوف تصفية القلب عن موافقة البرية ومفارقة الأخلاق الطبعية وإخماد صفات البشرية ومجانبة الدواعي النفسانية، ومنازلة الصفات الربانية والتعلق بعلوم الحقيقة واتباع الرسول في الشريعة “.
أهم أركان التصوف: الصحبة، الأوراد، المجاهدة من خلال: الصمت، العزلة، الجوع، السهر.

الصحبة:


الصحبة تجمع بين المصحوب والصاحب، أي بين الشيخ والمريد. وهي على مستويين: “صحبة تسليك” و”صحبة تبرك”.
” السلوك والتربية لا تتأتى أبدا إلا بصحبة الأحياء من أهل الله “، شريطة أن يكون الشيخ مأذونا له بالتربية وصاحب سر. تلك هي شروط: (صحبة تسليك)؛ والشيخ المأذون من منح له إذن التربية من شيخه، على غرار

“إجازة” بين علماء الحديث مثالا لا حصرا، بالإضافة إلى السند التربوي المتصل برسول الله، صلى الله عليه وسلم، عبر مشايخ التربية، فإن كان معه السند من حيث النسب لآل البيت، وسند كتاب الله حفظا، وسند بعض الأحاديث النبوية؛ تكون الصحبة أشمل وأجمل وأفيد نورا وتربية وعلما وشرفا وبركة!
صحبة متصلة برسول الله من خلال أربعة أسانيد؛ سند التربية والنسب والقرآن والحديث.


” ومحبة أهل القبور من أولياء الله وأحبائه فضل يوتيه الله من يشاء، لكنها محبة لا سلوك “. (صحبة تبرك)؛ علاقة المؤمن بشيخ ميت من خلال المحبة التي تثمر أجرا ولا تفيد في السلوك والأخلاق والترقي في مدارج السالكين والقيم الروحية ومقامات القرب نحو الله جل وعلا.
هذا التقسيم للشيخ سيدي أحمد التيجاني نقله عنه الأستاذ سيدي عبد السلام ياسين في كتابه: “الإسلام بين الدعوة والدولة” وذكره كذلك في كتابه: “الإحسان”.
الصحبة شرط أساسي في السلوك والتربية في علم التصوف.
لديهم أصول يستدلون بها من القرآن الكريم والسنة النبوية؛ تعد تلك الأدلة بالعشرات..

القيم المعتمدة:


القيم المعتمدة في علم التصوف تنتمي إلى منظومتين: منظومة القيم الروحية، ومنظومة القيم الأخلاقية.
تلك القيم مسطورة في أغلب كتب القوم. سأسرد بعضها نقلا عن “الرسالة القشيرية” و”تهذيب مدارج السالكين”:
منظومة القيم الروحية: الحال والمقام، القبض والبسط، الهيبة والأنس، الجمع والفرق، الفناء والبقاء، النية والحضور، الصحو والسكر، الذوق والشرب، المحو والإثبات، الستر والتجلي، التلوين والتمكين، القرب والبعد، الخوف والرجاء، المحبة، الشوق، السر، الحزن، الغيبة، التوحيد..


منظومة القيم الأخلاقية: الزهد، التواضع، الصبر، القناعة، الرضا، الاستقامة، الصدق، العدل، الحياء، الفتوة، الجود، السخاء، الفقر، الحلم، الإيثار، الإحسان، الورع، السكينة، النظافة، الجمال..
يقول سيد الطائفة الجنيد:
” أربع ترفع العبد إلى أعلى الدرجات وإن قل عمله وعلمه: الحلم والتواضع والسخاء وحسن الخلق “.
إلى غير ذلك من القيم الروحية والأخلاقية المضمنة في مصادر القوم.

نماذج في مكارم الأخلاق:


ورد في “الرسالة القشيرية” نماذج مكارم الأخلاق لبعض رجال التصوف، مثل:
” قيل لإبراهيم ابن أدهم: هل فرحت في الدنيا قط؟
فقال:
نعم مرتين إحداهما: كنت قاعدا ذات يوم فجاء إنسان وبال علي.
والثانية: كنت قاعدا فجاء إنسان وصغعني “.
نموذج ثاني:
” شتم رجل الأحنف بن قيس وكان يتبعه فلما قرب من الحي وقف وقال: يا فتى إن بقي في قلبك شيء فقله كيلا يسمعك سفهاء الحي فيجيبوك “.
نموذج ثالث:
” وقيل كان أويس القرني إذا رآه الصبيان يرمونه بالحجارة فيقول إن كان لابد فارموني بالصغار كيلا تدقوا ساقي فتمنعوني عن الصلاة “.


عشرات النماذج حول أخلاق القوم ذكرت منها ما هو أرفع وأرقى.. لدرجة لا تصدق وفوق الخيال.
ذلك السلوك المثالي مرده الرغبة في قتل النفس والتجرد من حظوظها كي يصل المؤمن إلى مقام من مقامات

السلوك فيما له علاقة بالخلاص الفردي والتحرر من الأغيار. بمعنى ذلك السلوك الذي يبدو ضعفا ومذلة ومبالغا فيه له غاية مقصودة من بينها ما سبق ذكره.. لأن من أهداف التربية في نظرهم التحرر من الأغيار أي مما دون الله جل وعلا.

الجانب الإجرائي:


مما يميز الصوفية عن غيرهم؛ التوسل بما هو إجرائي عملي ميداني لتقويم خلق معين وترسيخ خلق محمود وتغيير خلق مذموم.
من الوسائل التي يوصون بها لتغيير خلق سيء أو ترسيخ خلق حسن “قانون العادة”.
ورد في الرسالة القشيرة:
” ما تخلق عبد بخلق أربعين صباحا إلا جعل طبيعة فيه “.
ومن الوسائل الإجرائية التي يعتمدون عليها في تقويم الأخلاق؛
“قانون الضد”، على سبيل المثال لا الحصر؛ يعالجون المصاب بداء “الكبر” ب “التوسل” (وما فيه من مذلة)

أن يطلب من الناس حاجته من المال والطعام.. من خلال تقمص دور المحتاج المتشرد.. المصاب بداء “المبالغة في النظافة” يعالج بتنظيف دور المياه ونكس الأزبال.. المصاب بالثرثة يعالج بالعزلة والصمت..
وقس على ذلك الكثير مما يعالج ب “قانوم الضد”.
الوسائل الأساسية التي تساهم في نجاح عملية التربية الأخلاقية عند الصوفية: المربي الكفء، المتلقي

المؤهل، الأجواء الملائمة، المنهج السديد، بالإضافة إلى أركان المجاهدة؛ (الصمت، العزلة، الجوع، السهر)، هذه الأركان مما يساهم في تقوية الإرادة على الفعل والترك وقمع النفس وضبطها إلى أقصى درجة وتقليص من حظوظها وأنانيتها. كل ذلك يقع في حدود الخلاص الفردي فحسب.

التصوف بين المجاهدة والشكر


” في طريق المجاهدة، ويمكن القول بإجمال أنها أكثر ما وجدت في القرون الستة الأولى، كان الشرط الراجح في السلوك هو عمل المريد وأوراده وتطريقه نفسه العصية يضربها بصمصامة التوحيد ويقاتلها برماح مخالفتها. ويأتي شرط الصحبة كاللاحق المكمل.


في طريقة الشكر التي تتجلى في سلوك الصوفية منذ الإمام الشاذلي يترجح شرط الصحبة، وتحمل همة الشيخ وإشعاعه الروحي قلوب تلامذته حملا من مواطن الخطر وكأنه سفينة نوح عليه السلام “.
هذه الخلاصة من قبل أستاذ مربي مجرب وهو من “أهل الدار” المرحوم عبد السلام ياسين في كتابه: “الإحسان الجزء الثاني”.
بالنسبة لي أميل إلى “طريقة الشكر” وهي فقرة مستقلة من “كتاب الإحسان الجزء الثاني”.
رحم الله كل من ساهم في تربيتنا تربية حسنة

المراجع:

عبد السلام ياسين، الإسلام بين الدعوة والدولة

عبد السلام ياسين، الإحسان الجزء الأول والجزء الثاني

الإمام القشيري، الرسالة القشيرية

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.