ابن تيمية ضحية الحب والكره!

دوافع كتابة هذه المقالة قراءتي في الفيسبوك تعليق يزعم أنه ينتقد ابن تيمية الحراني، رحمه الله، وهذا حقه، لكن ما كُتِبَ لم يكن نقدا بل قدحا ذو سنحة ازدرائية لا يخرج عن صاحب قلم واعي وعن إنسان يتسم بالذوق.


مساحات السوشال ميديا في بعض مساوئها أنها سمحت بتشكيل جماعات تنشر خطاب غير ملم بطريقة النقد ولا بنهج النقد السليم.


قضيتنا ليست إبن تيمة هنا فأنا شخصيا انتقدته في أمور و وافقته جزئيا وكليا في أمور وقضايا أخرى.


أنا لا أدافع عن أي مفكر بل أدافع عن العقل العربي. بل عن مقومات النهضة العربية. فنحن نفتقد ثقافة منهج تعاطي عملية النقد. سواء مع ابن تيمية ام مع سواه.


نهجنا السائد يقدم مشاعر الحب أو البغض للجماعة التي ننتمي إليها اتجاه مفكر ما.


نحن نتعامل على أساس ولاء الجماعة تماما مثل ولائنا للقبيلة. وحتى قناعات بعضنا لم تُبنَى على أساس عقلاني بل مصدرها ولاءات مستترة.

الناتج أننا نقرأ في السوشال ميديا تمجيدا أو تسقيطا على أساس مشاعر لا على أسس نقدية علمية.

العربي في السوشال ميديا بحاجة الى مراجعة وعية. فنحن نعيش أزمة بُنْيَة مشاعِرِيّة تغذي أسلوب نقدنا المتردي. بنية مفتوحة بلا جزر وشواطئ معرفية عقلانية لنلجأ اليها.


لقد حان الوقت لهدم ثقتنا بولاءاتنا وقناعتنا المبنية على أساس ثنائية الولاء – البراء و الحب – البغض.


علينا أن نبني جهاز مفهومي جديد ينتج لنا منهج نقدي صالح ليأخذنا في حقبة ما بعد الكورونا، لكي نجتاز إمتحان العبور التاريخي لتنمية وتقدم عربي لزمن ما بعد الكورونا.


كلنا يقر أنه لا يجوز مفكر مكتمل. فكما قال مالك بن أنس: “كل يؤخذ من قوله ويرد إلا صاحب هذا القبر”


لذلك إنني أقترح أن نشرح كل مفكر ونختزله في إطار أهم محاور أفكاره. أن لا نراه كجسد معرفي واحد بل كأوصال معرفية متجزأة. نقرأه من خلال ١٠ أو ٢٠ أو ٣٠٠ دوسية. كل دوسية يحمل خطوط أفكار معينه عنه.


ومن خلال تجزئته هكذا سيجد صاحب النقد السليم أنه سيرفض مواقف المثقف الفلاني حول (مثلا) ٥ محاور. ويتفق بشكل جزئي أو كلي معه في دوسيات أخرى.


لا بد من ان نروض عقلنا على ممارسة النقد البناء، على أساس تقديم آراء صحيحة ووجيهة، فأقول ان المفكر الفلاني في الموضوع الفلاني أخطأ، ولا أبغضه في بقية المواضيع لمجرد اني لا أوافقه في محور او محورين. كما لا يعقل اذا انا احببته في محاور تتماهى مع ولاءاتي ان اعطل عقلي عن تقييمه في أمور لم يحسن دراستها.هناك نسق في ثقافتنا قائم على: “يا احبك كلك او اكرهك كلك”


وهذا نتيجة لعقلنا الذي عطل في الماضي ولابد من معالجة ثقافتنا من جذورها لكي نعالج ثقافتنا الراهنة.

ما هي الكتابة النقدية إذا؟الكتابة النقدية تحمل صوت الكاتب الناقد وبصمته. ولابد من الأمانة العلمية أن نجعل أيضا مساحة واضحة لصوت من ننتقد من راوي لخبر او مفكر ليتمكن القاريء من معرفة أفكاره بشكل صادق وأمين.

هكذا نسمح للقاريء من أن يرفع صوته بالموافقه مع ما ذهب اليه الكاتب أم ليقف مع المفكر الذي ننتقده.على الكاتب الناقد الأمين أن يخوض تجربة جدلية نزاعاته الذاتية وولاءاتها السابقة على النقد ونزاع مع مشاربه وميولاته وتعصباته جدل يسمع فيه نداءاته الموضعية الداخلة في ضميره.

عندما يمارس الكتابة النقدية عليه تفعيل آلية مراقب الكاتب لقلمه حين يكتب.آلية مهمة لإخضاع دوافن ذاته الذاتية تحت رقابة ذاته الموضوعية…

كل من لا يطرح مثل هذه الأسئلة المنهجية عندما يكتب النقد العلمي سيفقد بعض من الوعي بما ينتجه من نصوص نقدية،وسيفقد فاعليته على الإنجاز الرصين لأنه سيسلم وعيه ضحية لقوى البنية او المباني التي شكلت وعيه قبل الشروع بالكتابة….


يكفينا أننا تركنا للعقل السّجالي الحرية لتغذية وعي الهدم الثقافي العربي من خلال تعطيل النقد الموضوعي البنائي.


نحن بأمس الحاجة الى إحياء فن الجدل العلمي الذي ينتقد الآخر لغاية ومقاصد إنتاج نهضة عربية، لا لمتعة تغذية ولاءاتنا من مسلمات الأباء والأجداد.

الماضي فيه ما هو جيد وعلينا إحترامه بشكل نقدي وفيه ما هو خطأ علينا نقده بشكل نقدي.

احصل على تحديثات في الوقت الفعلي مباشرة على جهازك ، اشترك الآن.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.