إني وكلّ إنسانٍ من البشر …شيطانُه أنثى وشيطاني ذكَر

هذا البيت الشهير يحيلنا إلى قضية طريفة وهي شياطين الشعراء، لقد كانت العرب تزعم أن كل شاعر له صاحب من الجن يملي عليه أشعاره، وأوردوا أسماء عدد من هؤلاء، بل حكيت كثير من القصص في أمهات كتب الأدب.

وكانت العرب تزعم أن الشعر «نفث الشيطان» أو «رُقَى الشيطان»، قال جرير:

رَأَيْتُ رُقَى الشَيْطَانِ لا تَسْتَفِزُّهُ وقد كانَ شيطاني من الجنِّ راقيا

أسماء شياطين أشهر الشعراء

مسحل بن جندل شيطان الأعشى، وجُهُنّام شيطان عمرو بن قَطَن، وهَبيد بن الصُّلادم شيطان عَبيد ابن الأبرص، ولافظ بن لاحظ شيطان امرئ القيس، ومدرك بن واغم شيطان الكميت بن زيد الأسديّ، وهادر شيطان النّابغة الذّبياني، وغيرهم.

وقال الأعشى عن شيطانه مسحل:

وما كنتُ شاحرداً ولكن حسبتُني إذا مِسْحلٌ سَدَّى لِيَ القَوْلَ أنطقُ

شـريكان فيـما بيننا من هوادةٍ صَـفِيّـان: جِنّـيٌّ وإنسٌ مُوَفَّقُ

يقـول فلا أَعْيَـى لشـيءٍ أقولُهُ كفـانيَ لا عَيٌّ ولا هو أخـرقُ

وصنفت العرب كذلك شياطين الشعراء من حيث القوة والضعف وهما: «الهَوْبَر»، و«الهَوْجَل» فمن انفرد به «الهَوْبر» جاد شعره، وصحّ كلامه، ومن انفرد به «الهَوْجل» فسد شعره.

الأعشى يلتقي شيطانه

روي عن الأعشى أنه قال: خرجت أريد قيس بن معد يكرب بحضرموت، فضللت في أوائل أرض اليمن؛ لأني لم أكن سلكت ذلك قبل، فأصابني مطر، فرميت ببصري أطلب مكانًا ألجأ إليه، فوقعت عيناي على خباء من شعر، فقصدت نحوه، وإذا بشيخ على باب الخباء، فسلمت عليه فرد السلام، وأدخل ناقتي خباء آخر كان بجانب البيت، فحططت رحلي وجلست، فقال: من أنت؟ أين تقصد؟ قلت: أنا الأعشى أقصد قيس بن معد يكرب، فقال: حياك الله، أظنك امتدحته بشعر؟ قلت نعم، قال فأنشدنيه. فابتدأت مطلع القصيدة:

رحلت سمية غدوة أجمالها غضبى عليك فما تقول بدا لها

فلما أنشدته هذا المطلع منها قال: حسبك أهذه القصيدة لك؟ قلت: نعم، قال: من سمية التي نسبت بها؟ قلت: لا أعرفها، وإنما هو اسم أُلقي في روعي، فنادى: يا سمية، اخرجي. وإذا جارية خماسية قد خرجت فوقفت، وقالت: ما تريد يا أبت؟ قال: أنشدي عمك قصيدتي التي مدحت بها قيس بن معد يكرب، ونسبت بك في أولها، فاندفعت تنشد القصيدة حتى أتت على آخرها، لم تخرم منها حرفاً.

هل تعرف هذه المعلومات المثيرة عن اللغة العربية؟

فلما أتمتها قال: انصرفي. ثم قال: هل قلت شيئًا غير ذلك؟ قلت: نعم، كان بيني وبين ابن عم لي يقال له يزيد بن مسهر يكنى أبا ثابت، ما يكون بين بني العم، فهجاني وهجوته فأفحمته.

قال ماذا قلت فيه؟ قلت: «ودع هريرة إن الركب مرتحل» فلما أنشدته البيت الأول، قال حسبك، من هريرة هذه التي نسبت بها؟، قلت: لا أعرفها، وسبيلها سبيل التي قبلها. فنادى يا هريرة، فإذا جارية قريبة السن من الأولى خرجت، فقال أنشدي عمك قصيدتي التي هجوت بها أبا ثابت يزيد بن مسهر، فأنشدتها من أولها إلى آخرها لم تخرم منها حرفًا، فسقطت في يدي وتحيرت، وتغشتني رعدة.

فلما رأى ما نزل بي، قال: ليفرج روعك أبا بصير، أنا هاجسك مسحل بن أثاثة الذي ألقى على لسانك الشعر، فسكنت نفسي ورجعت إلي، وسكن المطر، فدلني على الطريق، وأراني سمت مقصدي «طريقي»، وقال لا تعج يمينًا ولا شمالاً حتى تقع ببلاد قيس.

لأننا مجتمعات تعشقه.. تعلم فن المديح دون نفاق

جرير البجلي ومسحل شيطان الأعشى

وروي عن جرير بن عبد الله البجلي أنه قال: سافرت في الجاهلية، فأقبلت ليلة على بعير أريد أن أسقيه، فلما قربته من الماء تأخر، فعقلته ودنوت من الماء، فإذا قوم مشوهون عند الماء، فبينما أنا عندهم إذ أتاهم رجل أشد تشويهًا منهم، فقالوا هذا شاعر، فقالوا يا أبا فلان أنشد هذا؛ فإنه ضيف.

فأنشد: «ودع هريرة إن الركب مرتحل» فوالله ما خرم منها بيتًا حتى أتى على آخرها، فقلت: من يقول هذه القصيدة؟ قال أنا أقولها. قلت: لولا ما تقول لأخبرتك أن أعشى قيس بن ثعلبة أنشدنيها عام أول بنجران. قال: إنك صادق أنا الذي ألقيتها على لسانه، وأنا مسحل ما ضاع شعر شاعر وضعه عند ميمون بن قيس.

احصل على تحديثات في الوقت الفعلي مباشرة على جهازك ، اشترك الآن.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد

سياسة الخصوصية وملفات تعريف الارتباط