أنا المسرح الذي نظر الأعمى الى قيمي


د. محمد عبد فيحان

“أوفر بروفه” عرض مسرحي متميز قدمه الثنائي المؤلف لؤي زهرة و المخرج الدكتور علي الشيباني
اثار العرض دهشت الجمهور الذي غصت به قاعة القصر الثقافي حيث صفق الحضور وتفاعل مع الصوره الفنية الجميلة وابدوا اعجابهم بهذا العرض .
أشتمل العرض على ثلاث محاور رئيسة :
المحور الاول من المسرحية: التركيز على أستبصار المكفوفين واستنطاقهم بلغة الأحساس الجمالي للمسرح والوعي العقلي لما يحدث ويدور حولهم .

المحور الثاني : التأكيد على أهمية المسرح في الحياة والوجود ودوره الفعال في بناء الأنسان وصنع الحضارة وإنتاج الفن والجمال والأبداع رغم كل التحديات والمعوقات .

المحور الثالث : ترسيخ وتعزيز القيم الوطنية و الأنسانية والأخلاقية من خلال تشجيع وتحفيز الفعل النزيه الصالح النبيل ونقد ورفض واستهجان الفعل السيء الفاسد القبيح بإطار المسرح السياسي الجريء الذي يرفض قيود الرقيب ولا يخشى سلطة الظالم وسجنه وقمعه مقابل سلطة الحق والجهر به بقوة .
جميل ما فعل الشيباني عندما وضع دراجه هوائية ترمز إلى مصرع واغتيال الشهيد المغدور الروائي الدكتور علاء مشذوب مع صورته وكتبه في منطقة اسفل يسار المسرح وجعلها محطة لاستراحة ولمراقبة العرض اثناء التمثيل ليكشف لنا عن مقاصده في ان الوطن كله مستهدف والثقافة مستهدفة والمسرح مستهدف والمبدعون اصحاب الاصوات الحرة مستهدفون من قبل أعداء الوطن والشعب والحرية .. وجمل هذا المشهد بأن اضاف له معنى آخر حينما وضع مصابيح صغيرة ملونة في عجلتي الدراجة وهما تدوران بسرعة دليلا على ان الحياة والثقافة والأبداع ستستمر وتتواصل وتكبر رغم القتل المجاني والجريمة المنظمة .
لقد استفاد المخرج الدكتور علي الشيباني وهو الخبير المتمرس بفن المسرح تمثيلا واخراجا في اقتناص العديد من الافكار والعروضات والشذرات المهمة من اعمال مسرحية عالمية ومحلية وتوظيفها في عرضه ومنها اغنية التم لتشيخوف وقصائد السياب ومظفر النواب وحوارات من بعض المسرحيات العالمية والحكايات الشعبية وغيرها .. وهذه حسنة تضاف للمخرج في ثقافته وانفتاحه على الادب العالمي وبالأخص المسرح، لتقديم كل ماهو مفيد وممتع وهادف للمشاهد ويدعم ويقوي عرضه على الخشبة حتى انه وظف صالة المشاهدين للتفاعل الحي المباشر مع رقعة الشطرنج التي وضعها على ارضية المسرح , مؤكدا ان الحياة لعبة مسرحية واننا جميعا ممثلون نتحرك فيها على هذه الرقعة كل بدوره ووظيفته .
لقد رأيت على خشبة المسرح تجسيدا حيا وحقيقياً لقول المتنبي في بيته الصادح : أنا الذي نظر الأعمى إلى أدبي …….. وأسمعت كلماتي من به صمم

لقد كان الممثلون المكفوفون وما اروعهم وأبصرهم يرون ببصيرتهم كل شيء .. يرون احدهم الاخر ويرون الجمهور ويقرأون الوجوه والانفعالات والتحيات ويتفاعلون مع المخرج الذي ابدع في تجسيد دور الشخصية المحورية الرئيسية بكفاءة عالية وقاد مسيرة العرض نحو الذروة بحكمة ودراية وخبرة نوعية متراكمة .. وهذا ليس بالأمر اليسير ابدا .. ان تقود اعمى من مكان لأخر بصمت تجد صعوبة بالغة .. فكيف وانت تقود ممثلين مكفوفين يؤدون ادواراً لشخصيات مرسومة ويخضعون لتقنيات وازياء واكسسوارات ويواجهون جمهورا غفيرا ينتظر فعلهم على خشبة المسرح … ما فعله الشيباني في هذا العرض مذهل ومدهش ومبهر بكل مافيه ..
النقطة الاخرى المهمة تأكيده من خلال حوارات العرض المسرحي وفي النشيد الختامي للعمل الدرامي .. ان المسرح فن ومدرسة للتربية والاخلاق والاصلاح ومثلما يحتاج الناس الى الخبز فانهم يحتاجون الى المسرح .. هذه رسالة عالية المعاني والدلالات لمن يعي ويفهم . .
تضمنت المسرحية ومضات نقدية شجاعة للوضع السياسي الحالي مرة بجدية واخرى بسخرية وضعت الاصبع على الجرح وقالت كلمتها بصوت عال بلا خوف او تردد او مجاملة … وهذه احدى وظائف المسرح ورسائله واهدافه في توعية الناس والتعبير عما يدور في خلدهم وتوجيههم وتحريضهم لانتزاع حريتهم وحقوقهم المشروعة بقوة الحق والكلمة ..
سينوغرافيا العرض الدرامي كان منسجماً ومتوافقا مع البيئة المسرحية للممثلين وطبيعتهم الحياتية وامكاناتهم وكذلك الاضاءة التي ابدع ابها الفنان سعد سلمان والديكور الذي صنعه اسيل الوزني والازياء التي صممتها السيدة ام زمزم والموسيقى التي ابدع بها الفنان حيدر الجبوري كلها كانت ايحاءات وايماءات فعاله تضفي جمالا ومعنى لفكرة العرض المسرحي وبيئته وعناصره السمعية والبصرية والحركية في منظومتها الايقاعية الراقية ..
حينما كنت اشاهد العرض المسرحي كنت اسمع صوت يدوي : انا المسرح الذي نظر الاعمى الى قيمي .

احصل على تحديثات في الوقت الفعلي مباشرة على جهازك ، اشترك الآن.

2 تعليقات
  1. لؤي زهرة يقول

    شكرا لكم .

  2. عدنان فاضل الربيعي يقول

    شكرا للدكتور علي الشيباني
    شكرا للكاتب لؤي زهرة
    شكرا لفرقة السراج للمكفوفين
    شكرا لكل كادر مسرحية ( أوفر بروفة )
    فقد إستمتعنا بما قدموه
    أقول … لازال المسرح الكربلائي بخير

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.