تحول نمط الفكر العربي

تحول نمط الفكر العربي

د. محمد الزّكري

أنثروبولوجي عربي بحريني

من ايجاز تدينه واسهاب في تدبره الى إسهاب في تدينه وإيجاز في تدبره المعرفي

الثقافة جسد معرفي بدافع عوامل وشروط موضوعية تشكل أنماط تفكير تشكل الذاتية والموضوعية في آن واحد. 

كما تساهم الثقافة بفعل ما بيننا من مشترك فكري وعقدي، وعرفي، ووجداني الى آن نتسمى بأننا أفراد ننتمي الى جماعة الفكر الفلاني وليس سواه. كما ان الجماعات، نتيجة تقاطع خطوط ثقافية عامة، تتعاقد ما بينها على الاعتراف بأنها تنتمي الى حاضنة بشرية واحدة تسميه “المجتمع” الفلاني. 

مثل هذا الفهم “الثقافة” كفاعل قوي ينمط طرق تفكيرنا الفردية والجماعتية والمجتمعية شدّت مفكري الأمة العربية لدراستها. من الذين انشغلوا بتحليل وتفكيك أنماط التفكيرات التي انتجتها الثقافة العربية عبر سيرتها وصيرورتها التاريخية هو المفكر محمد عابد الجابري (ت. 2010). في خضم بحثه وضع الجابري عناوين لهذه الأنماط الفكرية وحصرها في: النمط التفكير البياني والعرفاني والبرهاني.

إضافة على مساهمات الجابري انتبه الدكتور يوسف زيدان الى أن القران الكريم رصد لنا أنماط تفكير اليهود القديمة المستغرقة في التفاصيل الدينية ونمط تفكير العرب الجاهلية وفي صدر الإسلام المقل في بحثه عن التفاصيل الدينية.

قادتني انشغالات جهابذة الأمة الى أن أنشغل في أنماط التفكير التي تنتجها لنا ثقافتنا. في هذه المقالة المختزلة اتطرق الى أن فكر العربي كان موجزا في تدينه مسهبا في فكره، فلماذا أصبح يسهب في تدينه ويوجز في فكره؟

قد لا نعلم أن النموذج الفكري اليهودي الديني في زمن النبي موسى عليه السلام ذو نمط يميل الى التنقيب في التفاصيل. 

الله، ذو العزة والجلالة، في قرآنه ترصد أن يدون لنا هذا المنطق اليهودي من خلال نقله أطراف من ذلك الحوار التفصيلي المبالغ في فتل الجزيئات الذي دار بين موسى ص. وقومه:

وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تَذْبَحُوا بَقَرَةً ۖ قَالُوا أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا ۖ قَالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ (67) قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّن لَّنَا مَا هِيَ ۚ قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَّا فَارِضٌ وَلَا بِكْرٌ عَوَانٌ بَيْنَ ذَٰلِكَ ۖ فَافْعَلُوا مَا تُؤْمَرُونَ (68) قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّن لَّنَا مَا لَوْنُهَا ۚ قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَاءُ فَاقِعٌ لَّوْنُهَا تَسُرُّ النَّاظِرِينَ (69) قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّن لَّنَا مَا هِيَ إِنَّ الْبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا وَإِنَّا إِن شَاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ (70) قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَّا ذَلُولٌ تُثِيرُ الْأَرْضَ وَلَا تَسْقِي الْحَرْثَ مُسَلَّمَةٌ لَّا شِيَةَ فِيهَا ۚ قَالُوا الْآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ ۚ فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ(71) سورة البقرة

خمس آيات تقصدت أن تبين ثقافة خوض التفاصيل في النموذج الفكري اليهودي الديني. 

ولكن بالمقابل فالقرآن أيضا رصد لنا أنموذج نمط التفكير العربي الجاهلي / الصدر اسلامي ليوضح لنا أنه كان مختلفا جدا عن الطريقة اليهودية التفصيلية في التعامل مع قضايا الدين. 

فهذا نجد في القرآن العظيم رصدا مهما لمنطق لا يستغرق طاقته الفقهية والذهنية في التشعب في التفاصيل من خلال آية أحكام الطهارة والتي تعكس لنا طريقة التفكير الجاهلي/الصدر إسلامي الديني الموجز. 

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (6) سورة المائدة. 

هذه الآية الواحدة بطول فقرة قرآنية واحدة فتحت موضوع الطهارة المائية للصلاة فبينته وفتحت موضوع الطهارة المائية من قضاء الحاجة ومن الجنابة فبينته وفتحت موضوع التيمم (الطهارة غير المائية) لأهل الأعذار فبينته. 

ولكننا لا نجد هذا العقل الفقهي الوجيز الموجز في بيانه في ثقافتنا.

بل نجد أننا من خلال احتكاك العرب مع اليهود واسلمة كثير من منطقهم الفكري ونقل روايات رؤيتهم الدينية كأحاديث تسمى الإسرائليات إلى ديننا اهتزت الثقافة العربية معه وتهجنت بما هو ليس منها.

فانتقلت الينا ثقافة الاسهاب في التفاصيل الدينية فمثلا لم نلتزم بالنهج القرآني او نهج صدر الإسلام التفكيري بل نجد أن “موسوعة أحكام الطهارة” من تأليف دبيان بن محمد الدبيان أبو عمر ونشر مكتبة الرشد طبعت في 13 مجلد بعد ان كانت في آية واحدة. 

فبدل من أن نكون أمة وسط بين المجتمعات الدينية بكوننا اخرها وبين المجتمعات المادية وهو الواقع الذي نعيشه تحولنا الى مجتمعات لا تستطيع أن تمارس هذا النوع من الوسائط، التوسط ما بين الديني والمادي وذلك نتيجة الاسهاب في التفاصيل الدينية. انقرض منطق عقلنا العربي الفقهي الموجز (وهو أنسب العقول ليلعب دور الوسطية بين الديني والمادي).

وتقمصنا بالمقابل العقل الفقهي اليهودي الغارق في جزيئات تفصيلية (عقلية تناسب المجتمعات التي لا تحتك بمجتمعات مادية).

لكن دعونا نتذكر أن منطق الايجاز التشريعي والإيجاز الفقهي بادي في القرآن العظيم.

الله سبحانه وتعالى اختصر آيات التشريع في كتابه العظيم “القرآن” الى 500 آية كما يقول ابو حامد الغزالي (ت. 505 هـ). وهذا كل ما هو متاح لنا قرآنيا لاستعماله في شؤون الفقه الديني.
في حين ان الله تعالى أحاط هذه ال 500 آية ب 5,736 آيات اخر مداراتهن غير تشريعي، بل اخلاقي وذوقي ومجتمعي وتاريخي وعلمي وطبي وكوني الخ وهن آيات تجاهلها الفقيه الديني ولكن لم يتجاهلها المتصوفة.

اي ان الحق عز وجل غلف ال 8% ب غلاف سميك مقداره 92%
(ملاحظة مجمل عدد آيات القرآن الكريم = 6236 آية وآيات التشريع 500 آية كما يقول ابو حامد الغزالي).

الفقه نتيجة طبيعته هو مجموعة من قوانين تفيدنا ب
اعمل او لا تعمل، جائز، مندوب، منهي، مكروه، محرم. اي قوانين جامدة. 
تفتقد الى سيولة تفتقد الى الجريان.
لذلك لم يجعل القرآن منها مادة قائمة بذاتها.
اي لم يرد الله تعالى منا ان نكون مجتمع فقهي ديني بحت والا كان اكتفى ،الحق عز وجل، بتنزيل آيات التشريع ال 500 آية.
القرآن العظيم اكبر ب 92% من مجرد فقه شريعة….
كما ان الله لم ينزل سورة وسماها سورة “الشرائع” ومن ثم حشر فيها كل آيات التشريع ال 500 آية دفعة واحدة،
بل ان الله تعالى أدخل آيات التشريع (ال 8%) في سياقات لا تشريعية (ال 92%.).
مثلا تجد في سورة النور آيات تشريعية تظهر بين علاقات اجتماعية وذوقية واخلاقية وعاداتية.
هذا البعد التوليفي او النهج القرآني في ادخال القليل من التشريع ضمن الكثير من سياق تاريخي مجتمعي علاقاتي غاب عن مادة الفقه الديني الحالي.
فكل كتب الفقه جامدة معدومة الحياة عبارة عن قوانين مقطّعة. أوصال منزوعة من سياق انساني مجتمعي متغايرة مع النهج القرآني.

بلا شك ان المثقف المنصف الذي يحاول فهم منطق ومسارات الفكر العربي عندما يقف فوق التلة سيرى خلفه هذا الارث الفقهي التفصيلي المضخم لآيات التشريع ليجعل منها المجتمع والتاريخ والحياة والفكر والطب والفيزياء والكونيات وووو.
سيجد أن العرب فقدوا ثقافة الوسطية التي أرادت الصيرورة التاريخية أن يلعبوه بأن يكونوا الوصلة التي تربط العالم القديم بالعالم المادي الجديد.

لن يتعب أي مثقف كثيرا ليكتشف أن المنطق العربي الديني اشكالية بابتعاده عن فهم القرآن و روح القرآن ومقاصد القرآن العظيم.
فالمجتمع الوسطي هو مجتمع تجد في ثقافته 8% دينيات وتجد فيه 92% أخلاقيات وذوقيات وعلوم فكر وتاريخ ومجتمع وهندسة وكونيات ورياضيات.

المنصف في تشخيص ثقافتنا سيجد في ثنايا عقلنا الفقهي الديني ممارسة التضخيم والانشغال بالجزيئيات والابتعاد عن الرؤية الاكبر. سيجدنا ثقافة غارقة في انتاج مادة تفصيلية تدقيقية مبالغ بها. سيجدنا ثقافة تنتج واقع خيالي منقطع عن كافة السياقات (السياقات الاجتماعية والدينية والثقافية…).

المثقف القرآني يقف على التلة يستشرف الطريق الذي ينتظره
الى خوض مشوار اعادة بناء مجدلة قرآنية لا يعدو الفقه فيها أكثر من 8% مجدلة لا تعزل وتفرز الفقه من سياق ال 92% من القرآن. بل ينتج مجتمع أرحب ووسيط يتوسط بين الروحانيات والماديات.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *