التكامل (Integration) أو الإندماج في المانيا!

التكامل (Integration) أو الإندماج في المانيا!

د. محمد الزّكري أنثروبولوجي عربي يقيم في المانيا 

في أحد الصباحات في مدينة كتبس وعندما كنت احتسي شراب الشوكولاتة الساخن في مقهاي المفضل خطر ببالي سؤال هل ترجمة دي انتيجراشيون ” die Integration” الى اللغة العربية باستخدام لفظة الاندماج “al-Indimaj” دقيق؟ 

فمفردة ” die Integration” تعني أيضا التكامل al-Takamul وهي كلمة مشتقة من

مصطلح الدارات المتكاملة (Integrierter Schaltkreis) الداخلة في صناعة لوحات الكمبيوتر. 

في حين أن مفردة الإندماج al-Indimaj مرتبطة بالخلاط  mixer وبمفردة (Mischen) او    einblenden 

الذي يدمج مثلا التفاح مع الموز مع التوت لتحيلهم من عناصر ذات وجود تكويني خاص بها الى مكون جديد مدمج في تشكيلة جديدة تفقد فيه العناصر الداخلة في عملية الدمج هويتها السابقة لصالح هوية جديدة. 

فهل المطلوب من العربي خوض عملية دي انتيجراشيون  ” die Integration” التي تعني التكامل al-Takamul؟

أم مطلوب من العربي خوض عملية دي انتيجراشيون  ” die Integration” التي تعني الاندماج al-Indimaj؟

ام المطلوب منا ان نخوض التكامل مع الاندماج بخلطة ومعايير يحسب نسبتها كل مهاجر على حدا؟

كلا المفردتين (التكامل/الاندماج) مهمتين ولهما إحالاتهما المتميزة في ذهن العربي المتلقي لهما.

كيف؟

أولا مفردة al-Takamul / Integration مشتقة من الدارات التكاملية Integrierter Schaltkreis 

وبالتالي هي مرتبط بتاريخ تطور صناعةDie Hauptplatine  اللوحة الأم لجهاز الكمبيوتر. 

هؤلاء الملمين بهذه التقنية يعلمون أن فكرة Integrierter Schaltkreis  قائمة على التكامل بين مجموعة كبيرة من الدارات Schaltkreis وذلك بأرخص طريقة وباستهلاك اقل طاقة .  

كل قطعة تلعب دور تكاملي ووظيفي ومكمل لأداء مهمة اللوحة الأم Die Hauptplatine   الحاضنة لكل القطع . ولكن اللوحة الأم Die Hauptplatine   تعمل من خلال التحام Schaltkrei فيها دونما أن ينصهروا فيها.

بتأويل ما تحمله الأسماء والمصطلحات هذه يمكن القول أن الإنسان المرموز له بدارة (Schaltkrei) الذي قرر الاستقرار في ألمانيا والمرموز لها ب اللوحة الأم (Die Hauptplatine  ) وذلك ضمن نهج التكامل (die Integration) مطلوب منه أن يلتحم مع مجتمعه ولكن دونما الإنصهار فيه، بمقابل أن يؤدي وظيفة التكامل في المجتمع والاقتصاد والثقافة.

وظيفة المهاجر المتكامل أن يجد مكانه في الاقتصاد وساحة العمل (والثقافة) ليربط بينه وبين أشخاص تكامليون آخرين (قدماء ومستجدون) لكي يؤدي كل فرد منهم مهمته. وهكذا تعمل أطروحة الدارة التكاملية ” Integrierter Schaltkreis” في التحامها مع اللوحة الام  ” Die Hauptplatine ” أي ألمانيا على أكمل وجه.

دعونا الآن نتوجه الي معالجة خوض عملية دي انتيجراشيون  ” die Integration” التي تعني 

الاندماج al-Indimaj.

أطروحة الاندماج تتصور أن على المهاجر ان يخوض    einblenden 

هنا يكون العربي المُنْدَمَج أن يدخل الخلاط مع الألماني القديم. فلو كان العربي المهاجر تفاحة ولو كان الألماني القديم كمثرى فكليهما يندمجان تماهيّاً لكي يصبحا شيء واحد متماهين (Identifizieren) مع بعض. 

بمعنى آخر فإن المهاجر الإندماجي يحذو خطوات نحو الألماني القديم ليستلهم من ثقافته وعاداته ونشاطاته أكثر من تلك الخطوات التي يتخذها المهاجر التكاملي. الاندماجي ينصهر يفقد تكوينه الذي سبق عملية الاندماج وهذه العملية تحتاج الى مصادر ومعطيات كثيرة سنتحدث عنها في مقالة أخرى.

ما يهمني انني تحدثت مع عدة شباب عربي مهاجر في مدينتي كتبس. وبعد شرحي لهم الفرق بين التكامل والاندماج وجدت أنهم ليسوا فقط إما تكامليون أو إما إندماجييون. بل وجدتهم خليط بنسب مختلفة من التكامل والاندماج. فمنهم من تزوج ألمانية وخاض بنسبة اعلى عملية “التألمن” Germanization من خلال آلية الإندماج. لنقل علي سبيل المثال أن هذا السوري المتزوج من المانية متكامل مع المجتمع بنسبة ٦٠ بالمئه أي انه ابقى على نسبة عالية من هويته الأصل في حين انه تألمن بنسبة ٤٠ بالمئة نتيجة زوجته والاختلاط بأهلها واصدقائها وجره الى تجربة المانيا من وجهة نظرها، والتثاقف من خلال زوجته مع الثقافة الألمانية والفلكلور الألماني والتاريخ الألماني والمناسبات الألمانية وتناول الطعام الألماني والموسيقى الألمانية والذوق الألماني والاتوكيت الألماني و الخ. 

عندما تناقشت مع أصدقائي المهاجرون حول أطروحة هذه المقالة المنادية بفهم معنى التعايش في ألمانيا على أساس ثنائية “التكامل – الاندماج” وليس اما تكامل او اندماج سعدوا كثيرا بهذا الشرح. خصوصا عندما أدركوا من ان كل مهاجر عليه خوض عملية التكامل وأيضا من خوض الإندماج بالنسبة التي يستطيبونها بناءا على الظروف المتاحة امامهم فرحوا كثيرا لهذا الفهم. وجدتهم يرحبون بأن يكونوا “تكامليون / مندمجون” كل على طاقته وقدرته وظروفه.

ولكن وجه لي أحد أصدقائي سؤالا: عندما أدخل الخلاط كمهاجر (التفاحة) لكي أندمج مع الألماني (الكمثرى) هل ساجد فعلا كمثرى يريدني أن أندمج معه؟ أم سأكون داخل الخلاط وحيدا ؟

قلت له عليك أن تعرف أن الالمان يملكون تاريخ وثقافة وفلسفة وتطور وتقدم معرفي يجعلهم فخورين بهويتهم مثلك تماما أيها العربي. عليك أن تعرف تاريخ الالمان وثقافتهم وتحترمه. وعندما يشعر الألماني أنك تحترم هويته سيفتح لك فرص الاندماج به أكثر ….

قال لي لحظة قبل أن تغلق ملف بحثك الشيق هذا لقد وجدت ألمانيا تتكون من أكثر من هوية واحدة: 

ففي أي المانيا أندمج؟

قلت له انتظر اجابتي على هذا السؤال في مقالة قادمة.

لا تعليقات بعد على “التكامل (Integration) أو الإندماج في المانيا!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *