لعنةُ الطّائفيةِ في سورية

طوالَ سنواتِ دراسَتي وطفولَتي وخاصّةً في البيئةِ التي نقطنُ بها، لم يخطر على بالي يومًا سؤالُ أحدٍ حولَ ماهيتهِ، أو ما يعتنقهُ من دينٍ فهذا الأمرُ كان هامشًا لديّ، فقد كنتُ شديدةَ الحرصِ على نفسِي ودراسِتي، خاصّة أنّنا لم نكن نسافرُ كثيرًا، أي أنّني لم أنشَأ في تلك البيئة وعلى تلك التّقاليد، رغمَ ما كنتُ أسمعهُ من صديقاتِي حولَ سفرهنّ وزيارتهنّ للمقاماتِ.

هنا في بلادي..لا قيمةَ لفكرِك إن كنت تتبعُ لطائفةٍ معيّنةٍ، هنا في هذه البقعةِ الجغرافيّة اللّعينة توصَمُ بالعارِ لمجرّدِ أنّ بعضَ الأشخاصِ يتملّقون بانتمائِهم الكاذب، هنا في هذه البقعة الجغرافيّة السّيّئة محكومٌ عليكَ بالموتِ عارًا، أو الخروج عن العاداتِ المتوارثةِ بطريقةٍ غريبةٍ ومريبةٍ. فالجميع ينقضُ عليك كجثّةٍ هامدةٍ عندَ استشعارِ توهُّج ملامِحك المعيّنة،
ليصبحَ واجبكَ تبرِئَة نفسِك من ظنونِ أفكارِهم الخبيثةِ التي قد تصل لاعتبارِكَ عميلًا أو ربّما وليدًا للحظةِ تواطؤ.

هذا ما نتعرّض لهُ نحنُ أبناءُ كلّ طائفةِ بعينها، فالمخاوفُ المترتّبة عن كونِك مختلفًا ستدفعُ ثمنَها عاجِلًا أم آجِلًا، فانكشافُ كونِك تنتمي إلى طائفةٍ معيّنةٍ في هذا المكان يعتَبرُ وكأنّهُ جرمٌ يلاحِقُك منذُ الأزلِ، ليصبحَ وصمةَ عارٍ في نظرةِ كلّ من نتعرّفُ عليهم، ولربّما ليسَ بشيءٍ خاطئٍ في تفكِيرهِم حولَنا فهُم جُبِلوا على تلك الأفكارِ حتّى باتَت معيارًا لعلاقاتِهم ومقياسًا لكلامِهم.

أنا من أبوين وُلدِا في إحدى القرى السّوريّة التي تُعرَف بانتماءِ أفرادِها إلى تلكَ الطّائفةِ التي تستخدمُ حرفَ “القاف” كثيرًا، ويحظَون بوجودِ أضرِحَة كثيرةٍ لرجالٍ موتى لهم قدسيّتهم الخاصّة كما يقال، أعراسهُم مختلطَة ونساؤهُم لا يغطّون رؤوسهنّ بأقمشةٍ بيضاءَ أو سوداء، وأعيادهُم مختلفة، وكلّ ذلك يجب أن يبقى سرًّا أبديًّا لا نبوحُ به للأغرابِ مهما حَصل، لكنّني ولدتُ وعشتُ في الشّامِ مركزُ سورية، والتي لا يلفظُ أبناءهَا حرفَ القاف بل يستعيضونَ عنه بالهمزةِ، كما تتميّز بالرّخاوةِ والوضوحِ في المعنى فضلًا عن أنّها لهجةُ أبناءِ العاصمةِ.

لم أعرفْ في طفولتي ما معنى طائِفة دينيّة، ولم يكن والداي من النّموذجِ الذي يولّدُ تلك الأفكار لأطفالهِ، فقد كان أبي نموذجًا لي من خلالِ أصدقائِه الذين كانوا من جميع الطّوائفِ والأديان، فقد كانَت معاملتهُ لهم على أساس الاحترام المتبادل والمحبّة دون التّطرّق للحذرِ من خلالِ الخوضِ في معرفةِ نشأتِهِم وسكنهِم، كما أنّه كانَ يساعدهم على قدر استطاعته، هذا الكلام كانَ مقترنًا بالفعلِ دائمًا وقد ورثتُه وتعلّمتهُ منهُ وليس لأنه والدي بل لأنّهُ نموذجٌ حيٌّ أمامي عن أقدسِ فكرةٍ وهي عدم التّفرقةِ والتّمييزِ، والذي أحاول تطبيقَهُ في كلّ لقاء مع شخص جديد وفي جميعِ علاقاتِي.

طوالَ سنواتِ دراسَتي وطفولَتي وخاصّةً في البيئةِ التي نقطنُ بها، لم يخطر على بالي يومًا سؤالُ أحدٍ حولَ ماهيتهِ، أو ما يعتنقهُ من دينٍ فهذا الأمرُ كان هامشًا لديّ، فقد كنتُ شديدةَ الحرصِ على نفسِي ودراسِتي، خاصّة أنّنا لم نكن نسافرُ كثيرًا، أي أنّني لم أنشَأ في تلك البيئة وعلى تلك التّقاليد، رغمَ ما كنتُ أسمعهُ من صديقاتِي حولَ سفرهنّ وزيارتهنّ للمقاماتِ، إلّا أنّني لم أعِ ما يقصدن ولم أسأل حتّى لا يظنونّني جاهِلة أو كافرة بشكلٍ أدقّ، ومع الأيّام وأثناءَ تعارفي بأحدِ الطّلاب في المعهد. بعدما نظرَ إليّ نظرةً غريبةً مليئة بالريبةِ والشّكّ كونَني أتحدّثُ باللّهجةِ الشّاميّة، فسألني: أنتِ من جماعتنا؟ لم أعلم بماذا سوف أردّ عليهِ حينها، فأنا لم أفهم مقصدَه. وحاولتُ التّهرّب إلى حينِ وصولِي للمنزلِ وسؤالي لأبِي حول مقصدِ الشّاب، لاتفاجأ بردٍّ غريبٍ منهُ بعدما سألته ما معنى “جماعتنا”؟ فقد قال لي: مين سألك هالسّؤال وإذا تاني مرة سألك سكتيه بكلمة “ما دخلك”… وبرغمِ أنّ والدي يتحدّث اللّهجةَ الأصليّة له والتي تُظهرُ من هو، إلّا أنّ تفكيره كانَ خاصًّا. لم أعِ ما حصلَ وما معنى كلّ هذه المصطلحات حتّى دخلتُ الجامعة ورأيتُ العديدَ من النّاس بطرقِ لباسٍ متعدّدة بعضها يشبهُ ملابسي والآخر مختلف، وهنا أيضًا لم أحاولْ البحثَ والفهمَ، فأنا أرى النّاسَ كما تعبّرُ عنهم أفعالَهم وليسَ لباسَهم.

لكن مع مرورِ السّنوات والوقوعِ في بئرِ المجتمعِ العميقِ غير المألوف، وكثرةِ الأحداثِ السّياسيّة بتّ أسمعُ بالنّعراتِ الطّائفيّة وكثرةِ المذاهبِ والأديانِ، التي لم تخطر على بالي يومًا -هنا في بلدِي والذي يعتبرُ نموذجًا مصغّرًا عن العالمِ نسبيًّا- هذا الأمرُ باتَ يدورُ داخلَ رأسِي مقترنًا بإشاراتِ استفهامٍ عديدةٍ؛ مَن نحنُ، ولماذا خُلقنَا متعدّدين، ومن هو الصّحيح، وهل هناكَ صحّة في هذا التّفكيرِ، ومع انعدامِ وجودِ جوابٍ شافٍ متزامنًا مع تلكَ الأسئلةِ اللانهائيّةِ، أقفُ مذهولةً أمامَ الواقعِ البعيدِ كلّ البعدِ عن منزلنا الصّغير والذي لم أتخيّلهُ يومًا. هذا الواقعُ الذي نعيشهُ والأزماتِ الكثيرةِ والتّاريخِ المعقّدِ لدى البعضِ جعلَ جميع ما يحصل هو نتيجةٌ سلبيّةٌ فقط برأي البعض، مخلّفين عنها الكثيرَ من النّتائجِ والصّراعاتِ النّفسيّةِ عندَ كلّ موقفٍ، فتبدأُ هنا بسؤالِ ذاتِكَ ما ذنبِي فيما يحصل؟
هذا ما حدَثَ عندما قالَ لي أحدَهم: أي أنتو الدّولة، للحظتها لم أرَ جوابًا لائقًا أردّ بهِ، فما هو مفهومُ الدّولةِ لدى هؤلاء، وماذا يقصدُ بجملتهِ التي تتوالَى على مسمعِي دائمًا؟ وهل هو محقٌّ بما يُروّجُ لهُ حولَ أفرادِ هذهِ الطّائفةِ من خلال المشهد الاجتماعيّ السّائد والدّرامي الذي يصوّرهم كفاسدين ومتعجرفين ومسيطرين على كلّ شيء.
وربّما في هذا الأمرِ شيءٌ من الدّقّة والصّحّة فهناك أشخاصٌ يستخدمونَ اللّهجة لإبرازِ شخصيّتهم متعالينَ بها على الآخرين، ومستغلّين حاجةَ بعض النّاس وخوفهَم لإشباعِ غطرستِهم ونقصِهم سواء أكانُوا منتمينَ أم من طائفةٍ مختلفة، ولكنهم ليسوا نموذجًا يُقتدَى بهِ، بل هم خطأ بشريّ لا أملَ من إصلاحهِ ولا مبرّرَ له سوى النّقصِ.

لا أريدُ أن تكونَ طائِفَتي جوازُ سفرٍ لعبورِي إلى العالمِ، ولا أريدها أن تسيطرَ عليّ، ولن أضعَها كقناعٍ على وجهِي بغيةَ الغرضِ السّينمائيّ لوجودي على هذهِ الأرض فأنا لستُ نكرةً، ولستُ بطلةً في فيلمٍ لكنّني بطلةُ حياتِي التي ترفضُ مثل هذا القناع المزيّفِ، فالنّجاحُ الحقيقيّ هو العملُ والفكرُ والثّقافةُ ولا وجودَ للدّينِ بها، فالدّين أخلاق.
تجربَتي الدّائمة في محاولةِ فهمِ الكرهِ والطّائفيّة البحتَة الموجودة في مجتمعِنا والتي ننكرُ وجودها لفظًا ونراها علنًا، تبوء بالفشلِ يومًا بعدَ يوم؛ إذْ ليسَ لنا ذنبٌ أو يدٌ في ولادتِنا بتلك الهويّة، ولن نكونَ مجبرينَ لتحمّلِ عواقبِ مفتعلِي المشاكلِ والكوارثِ، فعلاقتنا مع هويّتِنا كشامةِ الجسدِ المولودةِ معنا في مكانٍ لا نحبّذُ وجودَها بهِ.
فقد ولدنا في بلدٍ متآخٍ لكنّه لم يعد كذلكَ اليوم، فالشّاميّ يتعرّضُ لعنصريّةٍ في حلب، والدّيريّ يتعرّضُ لها في طرطوس، وأهلُ السّاحلِ يتعرّضونَ لها في دمشق، وقِس على ذلكَ، الجميعُ يكرهُ بعضَهُ ويحاولُ الصّعودَ على كتفِ غيرهِ ليظهرَ أنّهُ الأصحّ دائمًا.

في آخرِ موقفٍ مع هويّتي هذه، وبعدَ إحساسِي بالنّقصِ لفترة قليلةٍ ناجمةٍ عن رفضِي بطريقةٍ عنصريّةٍ مغلّفةٍ بالمزاحِ الذي يحوِي كلماتٍ صريحةٍ عن مَدى نظرةِ الشّخصِ الدّونيّةِ لي ولطائِفتي، والتي جعلتهُ في عقلِي شخصٌ ذو تفكيرٍ رجعيّ تابعٍ للعاداتِ والتّقاليدِ والرّوايات البالية. فلا أرجو شيئًا من شخصٍ يحكمُ عليّ من هويّتي الدّينيّة متناسيًا جميعَ الأمورِ الأكثرِ أهميّةِ من هذا.

اليوم أكسرُ حاجزًا عمرهُ سنوات، وصخورًا فكريّةً عمرهَا المئات، أكتبُ لكِي يعلمَ الجميعُ بأنّ الطّائفةَ ليسَت أكلةً مشهورةً أو شخصًا عنجهيًّا في مكانٍ ما، أو طقوسًا دينيّةً ومعتقداتٍ سريّة، أو تاريخًا سيئًا لبعضِ الأفرادِ، بل هي أنجبَت أهمّ الأدباءِ والشّعراءِ والمثقّفين مثل: أدونيس، سليمان العيسى، غسان مسعود، بدويّ الجبل…. وكثر غيرهم.

احصل على تحديثات في الوقت الفعلي مباشرة على جهازك ، اشترك الآن.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد