إثباتُ جوازِ التّرحّم على شيرين أبو عاقلة من القرآن الكريم

لا يمكنُ لأيّ إنسانٍ أن يطلقَ مسمّى الكافرِ على أيّ أحدٍ، لأنّه لا يعلمُ إن كانَ مسيحيًّا أم مشرِكًا، وإن كانت سعتُهُ العقليّة موجودة، أم غير موجودة، وما يحمِلهُ في قلبهِ
فعبدُ الوثنِ هو مُشرِك صَادق

حاولَ دواعشُ السّلفيّة الوهابيّة إثارةَ نعراتِ الحقدِ من جديد، وذلكَ بعدَ خبرِ مقتل مراسلة الجزيرة الصّحفيّة الفلسطينيّة شيرين أبو عاقلة بعيار ناري في الرأس في جنين أمس الأربعاء، حيث أطلقوا أفكارهم السّوداويّة عبر تعليقاتِهم بوجوبِ عدم التّرحّم على مسيحيّة أثناء تأديتِها لعملها الإعلاميّ في إيصالِ صورةِ وصوتِ الشّعبِ الفلسطينيّ إلى العالمِ أجمع.

وبالردّ عليهم نقول:
“لا حول ولا قوّة إلّا بالله العليّ العَظيم
إنّا لله وإنّا إليهِ رَاجعُون…
رَحَمَ الله تعالى “شيرين أبو عاقلة”

فهم أغبِياء لا يقرأون القرآن الكريم ولا يفقهون بما يأمرُهم الله بهِ، يقول حملة العرش:
{الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا

“رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا”

فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ*

أي: أنا، أنتَ، المسيحيّ، اليهوديّ، المُشرِك والملحدُ….
كبشرٍ نندرِجُ في إطارِ هذا الدّعاء، وداخلَ هذهِ السّعةِ الرّحمويّة الإلهيّة الهائِلة،

والحمدلله الذي أورد هذه الآية في القرآن
والحمدلله أنّه يضعُ كلّ شخصٍ لا يفقهُ في الكتابِ الحكيمِ شيئًا، فيفضَحُ جَهلَه وتفكيرَه المحدُود دائمًا.

ملاحظة: من فقهِ “حمَلة العرش” أنّهم يميّزونَ بينَ شموليّةِ رحمة الله للوجودِ بمن عليه، ويفصلونَها عن المغفرةِ.
فللمتدبّرينَ راحَةٌ ومنجَاة في القرآنِ…

نصوصُ القرآنِ متطوِّرَةٌ ودَقيقةٌ، ففي سورَة المائِدة التي يستشهدُ بها الدّواعش، قالَ الحَقّ وهوَ الحَقّ منذُ الأزَل ولم يَزل:

لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ ۖ وَقَالَ الْمَسِيحُ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ ۖ إِنَّهُ مَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ ۖ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ (72)

هذه الآية الكريمة تتحدّثُ عن الذين كانوا مع عيسى بن مريم وشاهدوه وعلِمُوا أنّه إنسانٌ؛ يأكلُ الطّعامَ، ويمشِي في الأسواقِ مع والدَتِه عليهما السّلام..
فَهُم عَلِمُوا بإنسانيّته، وتظاهَرُوا بعدَمِ العلمِ هُنا إذن يُسمّونَ “كفرة”

الكفرُ لغةً: هو أنْ تعلمَ، ثمّ تدّعي أنّكَ لا تعلمُ.

واللهُ فقط يَعْلَم بهذِه التّفاصِيل الدّقيقةِ، وهو لا أحدٌ سواه يستطيعُ الحكمَ على من أصبحَ كافرًا.

لكن في سورةِ “البيّنة” يقولُ الله تعالى:
{إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنۡ أَهۡلِ ٱلۡكِتَٰبِ وَٱلۡمُشۡرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَٰلِدِينَ فِيهَآۚ أُوْلَٰٓئِكَ هُمۡ شَرُّ ٱلۡبَرِيَّةِ} (6)

شيءٌ فيهِ تفصيلٌ مهمّ:
فالآيةُ هنا تتحدّثُ عن أزمنةٍ ابتعدَت منذُ زمنِ عيسَى عليهِ السلام، والمسيحيّ المولودُ في زمنِنا مثلًا؛ سوفَ ينشأُ في منزلٍ يثلّثُ ويعلّمُ أطفالَهُ بأنّ في عيسى (ع) طبيعةٌ إلهيّةٌ.

وَبذلكَ هذَا مؤمنٌ صَادِقٌ وإنْ ثلّثَ؛ لأنّ تلكَ سعتَهُ، واللهُ ذو الحقِّ والمجدِ والعدلِ لا يكلِّفُ نفسًا إلّا وِسعَها.

فهذَ الإنسانُ إذا كانَت سِعَتَهُ العقلِيّة لا تفتحُ له سبيلًا إلى التّشكيكِ بكونِ عيسَى بشرٌ، فهوَ مؤمِنٌ بتثليثاتِهِ، أي كتابِيٌّ مؤمِنٌ، أو مشرِكٌ صادِق

فمتى يكفرُ المشرِكُ، ومتَى يكفرُ الكِتابيّ؟
إذا كَانَت سِعَتَهُ العقليّة أوصلَتْهُ إلى القناعةِ بإنسانيّةِ عيسى عليه السّلام المجرّدة من الطّبيعة الإلهيّة، ومن ثمَّ واصلَ التّمثيلَ بأنّهُ ذو طبيعةٍ إلهيّةٍ، فهنا في هذهِ الحالة يُطلِقُ الله عليهِ “كافر”، حيثُ أنّ الكفرَ يعني اكتشافَ الحقيقةِ والتّظاهُرَ بعدمِ اكتشافِها…
وهذا ما تتحدّثُ حولَهُ هذه الآية المباركة في سُورة البينة.

لا يمكنُ لأيّ إنسانٍ أن يطلقَ مسمّى الكافرِ على أيّ أحدٍ، لأنّه لا يعلمُ إن كانَ مسيحيًّا أم مشرِكًا، وإن كانت سعتُهُ العقليّة موجودة، أم غير موجودة، وما يحمِلهُ في قلبهِ
فعبدُ الوثنِ هو مُشرِك صَادق
وعبدُ عيسَى (ع) هُو مسيحيٌّ صَادِق

فإذا كانَ الشّخصُ ذا سعةٍ تسمحُ له برؤيةِ الحقيقة، فسوفَ يحاسَبُ على ذلك، ولكن اللهُ وحدهُ يستطيعُ الاطّلاعَ على ما في القلوبِ، والحكمِ على الشّخصِ بالكفرِ أو الإيمانِ.

بعدَ هَذه المقدّمة
يتّضحُ لَنا أنّنا نتعاملُ مع جهالةٍ سلفيّين، يبثّونَ الفرقةَ في صفوفِ الأمّةِ، كما أنّهم لا يمتلِكونَ سعةَ الفهمِ والعلمِ الصّحيحِ للقرآن الكريم، ومع هذا يُصدِرونَ الفتاوي، ويتصدّرونَ المشهدَ العامّ.

وللأسفِ تحتَضِنُهم بلادٌ إسلاميّةٌ يبثّونَ داخلها الانشقاقَ والشّقاق، والله أعلم.

احصل على تحديثات في الوقت الفعلي مباشرة على جهازك ، اشترك الآن.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد